هويتنا المغربية.. خط أحمر ليست للمزايدة

0 29

متابعة ______بوجندار/ عزالدين.

المقال الخامس و الخمسون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : تعددنا قوتنا.. وهويتنا خط أحمر

 

ليست اللغة العربية موضع خلاف عند المغاربة، وليست الهوية المغربية موضوعاً مفتوحاً أمام أي ضيف ليعيد تعريفها وفق تصوره الخاص. فالمغرب بلد عريق، تشكلت هويته عبر قرون من التاريخ والتراكم الحضاري، وتعايشت داخله مكونات لغوية وثقافية أصيلة، في مقدمتها العربية والأمازيغية والحسانية، إلى جانب تنوع غني من اللهجات والتعبيرات المحلية التي تمنح الشخصية المغربية خصوصيتها وتميزها.

ومن هذا المنطلق، يفرض النقاش الدائر حول تصريحات منسوبة إلى سيدة قُدّمت باعتبارها داعية، وحلّت ضيفة على حزب مغربي، طرح أسئلة مشروعة بشأن حدود الخطاب الموجّه إلى المغاربة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بلغتهم وهويتهم وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم.

 

إذا كان تعلم اللغة العربية الفصحى وإتقانها هدفاً مشروعاً، فإن ذلك لا يمنح أحداً الحق في التعامل مع الدارجة المغربية أو اللهجات الأمازيغية أو الحسانية باعتبارها عيوباً ينبغي محوها، أو مظاهر ثقافية يتعين على المغاربة التخلي عنها حتى يصبحوا أكثر انتماءً إلى محيطهم العربي.

فالدارجة المغربية ليست خطأ لغوياً جماعياً، بل تعبير يومي عن تاريخ المجتمع وتفاعلاته الثقافية. والأمازيغية ليست تفصيلاً عابراً في الهوية الوطنية، والحسانية ليست لهجة يمكن تجاوزها في خطاب يروم الحديث عن المغرب والمغاربة. إنها مكونات من رصيد وطني متنوع، لكل منها مكانتها وخصوصيتها.

وإذا كانت هناك دعوة إلى تحسين النطق بالعربية الفصحى، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر التعليم والتكوين والتواصل الثقافي، لا عبر التقليل من شأن اللسان الذي يتحدث به المغاربة في بيوتهم وأسواقهم وشوارعهم، ولا عبر تصوير التنوع اللغوي وكأنه نقص في الانتماء أو دليل على ضعف الهوية.

 

وهنا يبرز سؤال آخر: هل يدرك أصحاب هذه الخطابات أن المغاربة لهم تاريخ طويل في خدمة اللغة العربية، وفي العناية بالقرآن الكريم حفظاً وتجويداً وتعليماً، وأن عدداً من أبنائهم تميزوا في مجالات العلم والثقافة والأدب والإعلام، داخل المغرب وخارجه، بلغات متعددة؟

إن الاعتزاز باللغة العربية لا يتعارض مع الاعتزاز بالأمازيغية والحسانية والدارجة المغربية. بل إن احترام اللغات والثقافات هو ما يجعل الانتماء الوطني أكثر رسوخاً، ويحول الاختلاف من مصدر للتوتر إلى مصدر للقوة والغنى الحضاري.

والمغاربة الذين يتحدثون الدارجة في حياتهم اليومية، أو يتواصلون بالأمازيغية بمختلف تعبيراتها، أو يستعملون الحسانية، لا يحتاجون إلى من يشكك في مغربيتهم أو يضعهم أمام امتحان لغوي لإثبات انتمائهم إلى وطنهم.

 

إن استضافة أي شخصية، مهما كان مجالها أو خطابها، تظل حقاً مشروعاً في إطار حرية التعبير والحوار. لكن حين يتعلق النقاش بالهوية الوطنية والتنوع اللغوي والثقافي، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل عن طبيعة الرسائل التي يراد تمريرها، وعن مدى انسجامها مع احترام ثوابت المجتمع المغربي وتعدديته.

ومن حق المواطنين أيضاً أن يناقشوا مضمون التصريحات، وأن يطلبوا توضيحات بشأنها، بعيداً عن التجريح الشخصي أو إصدار الأحكام المسبقة. فالمعيار ليس صفة الضيف ولا الجهة التي استضافته، بل مضمون الكلام، ومدى احترامه لخصوصية المجتمع الذي يتوجه إليه.

إن المغرب ليس بلداً بلا ذاكرة، ولا شعباً يحتاج إلى وصاية ثقافية من الخارج أو الداخل. إنه وطن له تاريخه ومؤسساته ودستوره وتنوعه، وله مواطنون قادرون على التمييز بين تعلم لغة والانتقاص من لغة أخرى، وبين الدعوة إلى تطوير المهارات اللغوية ومحاولة فرض تصور أحادي للهوية.

 

إن الدفاع عن العربية لا يكون بالإساءة إلى الأمازيغية، والاعتزاز بالأمازيغية لا يكون بإقصاء العربية، واحترام الحسانية والدارجة لا ينتقص من مكانة أي لغة. فالمغرب يتسع لكل مكوناته، وأي خطاب يريد بناء جسور التواصل بين المغاربة ينبغي أن ينطلق من هذا المبدأ الواضح.

أما تحويل الاختلاف اللغوي إلى موضوع للتقريع أو التشكيك، فهو يفتح نقاشاً لا يحتاجه المجتمع المغربي، الذي يواجه تحديات حقيقية في التعليم والتنمية والعدالة الاجتماعية، ويحتاج إلى خطاب يجمع أبناءه حول المصالح المشتركة، لا إلى مقاربات قد تُفهم باعتبارها انتقاصاً من ثقافتهم اليومية وخصوصيتهم التاريخية.

ولذلك، فإن المطلوب ليس الدخول في سجال شخصي مع ضيفة أو حزب، بل التأكيد على قاعدة لا ينبغي أن تكون موضع خلاف: المغربية لا تُقاس بلكنة، ولا تُختزل في لغة، ولا تحتاج إلى إذن من أحد حتى تكون مغربية.

هويتنا الوطنية متعددة، وكرامة المغاربة وتاريخهم وموروثهم الثقافي ليست مجالاً للمزايدة. أما تعلم اللغات وإتقانها، ففضيلة تزداد قيمتها حين تقترن باحترام لغات الآخرين وثقافاتهم.

 

هويتنا خط أحمر، ليس لأننا نرفض النقاش، بل لأننا نرفض أن يتحول النقاش إلى انتقاص من مكوناتنا الوطنية.

وفي النهاية، يظل المغاربة متمسكين بثوابتهم الوطنية الجامعة: الله، الوطن، الملك، وبحقهم في صون هويتهم المتنوعة، في إطار الاحترام المتبادل وسيادة القانون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.