المسؤولون الجدد بمراكش،بين واجب الإصلاح وفخّ المصفّقين المحترفين”وغرارين عيشة”
بوجندار_____عزالدين/ المشاهد
المقال التاسع والسبعون من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : “غَرّارين عيشة”
لا يختلف اثنان في مراكش بأن كلما حل مسؤول جديد بالمدينة، إلا وخرجت من جحورها فئة تعرفها الألسن قبل العيون. فئة تتقن فنّ التملق كما يتقن الحرفي نقش الزليج، وتعرف جيدا كيف تتسابق إلى الصفوف الأمامية، وكيف تبحث عن أي فرصة لإلتقاط صورة تُضاف إلى رصيد “الواجهة” الذي يقتاتون منه، زعم انا تنعرف هذا المسؤول..
وجوهٌ تتكرر… نفس الإبتسامة المصطنعة، نفس العبارات الطرية المعلّبة، ونفس الجملة التي يعرفها الرأي العام: “سير مراكش بخير… هاد المسؤول هو اللي غادي ينقذ البلاد والعباد!”.
أغلب هؤلاء، كما يعلم الجميع، يختبئون خلف صفحات فيسبوكية صفراء أو تحت قبعة أنا “صحفي” منتحل الصفة. يمارسون “الكتابة” كما يمارس البعض النفخ في مزمار بلا نغمة، يبيعون الوهم، ويصنعون هالات فارغة حول أشخاص لم يتعرفوا عليهم إلا عبر عدسة الهاتف. وحين ينتقل المسؤول إلى مدينة أخرى، أو يذهب إلى التقاعد، يتحوّل المدح إلى قدح، والمبايعة إلى مبارزة… فتراهم أول من “يَسْلَخُ” صورة الرجل، كما يقول المثل المغربي الدقيق: “ياكلو الغلة ويسبو الملة.”
إنّ هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها اليوم تأخذ أبعاداً خطيرة لأنها باتت تُصنع على مرأى ومسمع المواطنين، وتؤثر في صورة الإدارة، وتسيء إلى المهنيين الحقيقيين الذين يشتغلون بصمت وضمير. هؤلاء “غَرّارين عيشة”، كما يسميهم الشارع المراكشي، لا علاقة لهم بالإعلام ولا بالمصلحة العامة، بل هم طفيليات تتغذى على القرب من السلطة وتصنع لها نفوذاً زائفاً.
ومن هذا المنبر، نوجه رسالة واضحة: إلى كل المسؤولين بمراكش على رأسهم السيد والي جهة مراكش آسفي، وعلى السادة العمال وكل من يتحمل مسؤولية عمومية، أن يترك مسافة أمان بينه وبين هذه الشردمة التي احترفت التلون. التثبت من سيرتهم الذاتية بسيطة: يكفي أن يُرجع أي مسؤول إلى أرشيفهم ليرى كيف يتحولون بين عشية وضحاها من “كُتّاب للمديح” إلى “فرسان في جلد الذات”. هذه ليست صحافة… بل تجارة في الثناء حين تفتح الأبواب، وفي الشتائم حين تغلق.
مراكش تستحق إعلاما نظيفا، نقدا بناء، وصحافة تحاسِب بضمير ولا تصفق إلا للقيم. أما تنكافت والمعزوفات الموسمية لهؤلاء، فقد ذاق منها المواطن ما يكفي. وكل مسؤول حديث العهد بالمدينة ينبغي أن يعرف أن الحقيقة عند الجمهور… لا عند من يبيعونها لمن يدفع أكثر.
وهكذا، يبقى من الواجب اليوم الضرب بيد من حديد على أيادي هذه الفئة المرتزقة، حمايةً لصورة المؤسسات، واحتراماً للمدينة، وصوناً لكرامة مهنة الصحافة التي لا يحقّ لأي كان أن يدنّسها.
مراكش ليست ملعباً للمتملقين… ومهنة الصحافة ليست “باب رزق” لمن لا يملك إلا الهاتف والابتسامة المأجورة.