جحيم البطالة بالجزائر.. الموت في البحر أو الانتحار البطيء بالداخل!

0 4

متابعة: بوجندار__________عزالدين.

مسكنات “منحة البطالة”.. الهروب الحكومي إلى الأمام في الجزائر!

 

 

تواجه الجزائر بلد النفط والغاز أزمة هيكلية خانقة تعصف بأحلام جيل كامل من الشباب، حيث تحول غياب الوظائف المستقرة وسيادة “التشغيل غير الرسمي” إلى قنبلة اجتماعية موقوتة تلتهم طاقات البلاد، وسط عجز حكومي واضح عن ترجمة الثروات الطبيعية الهائلة إلى فرص عيش كريم ومستدام.

لم تعد مسكنات الخطابات الرسمية قادرة على حجب شمس الواقع؛ فالبيانات الصادرة عن الهيئات الدولية تكشف عمق النزيف الاقتصادي. إن ملامسة معدل البطالة العام لحاجز 12.7 بالمئة، وقفزه الصاروخي وسط فئة الشباب إلى قرابة 29.3 بالمئة، يعكس حقيقة مريرة: النمو الاقتصادي المرتبط بعائدات المحروقات نموٌ عقيم لا ينتج مناصب شغل حقيقية، بل يعيد إنتاج الفقر والتهميش لاسيما في صفوف النساء والمناطق الريفية.

إن ما يحدث داخل سوق الشغل يمثل انتكاسة حقيقية لمفهوم الاستقرار المهني. فالوظيفة العمومية باتت عاجزة عن الاستيعاب، بينما يغرق القطاع الخاص في عشوائية التهرب من التغطية الاجتماعية والأجور الهزيلة. تجد الكفاءات المتخرجة من الجامعات نفسها أمام جدار مسدود، مجبرة على الارتماء في أحضان “العمل الهش” غير المهيكل؛ حيث لا عقود، لا تأمين، ولا مستقبل. هذا الخلل البنيوي يعكس فجوة سحيقة بين مخرجات منظومة تعليمية مستهلكة واحتياجات سوق عمل تائه.

هذا الانسداد الممنهج للأفق أنتج أزمة نفسية واجتماعية تجاوزت حدود العوز المادي إلى “اليأس الجماعي”. عندما يشعر الشاب الجزائري بالغربة داخل وطنه الغني بالغاز والنفط، يصبح ركوب “قوارب الموت” والمجازفة بالحياة عبر الهجرة غير النظامية خياراً عقلانياً مقارنة بالموت البطيء في الداخل. إن تصدر الجزائريين لقوائم المهاجرين السريين نحو الضفة الشمالية للمتوسط هو إدانة صارخة لفشل السياسات التنموية واستهتار صارخ بالثروة البشرية للبلاد.

 

إن مراهنة السلطات الوصية على “منحة البطالة” كحل للأزمة هي سياسة الهروب إلى الأمام. فالإعانات المادية، على أهميتها الاجتماعية المؤقتة، لا يمكن أن تدير عجلة اقتصاد منتج، ولا تمنح شاباً القدرة على بناء أسرة أو امتلاك سكن. نجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس بـ”البرامج المعلنة” ولا بعدد المشاريع الورقية، بل بقدرتها الفعلية على تجفيف منابع البطالة ودمج الشباب في الدورة الإنتاجية.إن معالجة هذه المعضلة تتجاوز الاختباء خلف لغة الأرقام الجافة؛ إنها قضية ثقة مفقودة بين جيل كامل وفكرة المستقبل في وطنه. وتفكيك هذه الأزمة يبقى رهيناً بإنهاء التبعية العمياء للمحروقات، وإصلاح مناخ الأعمال المحتكر، لإنقاذ جيل كُتب عليه أن يختار بين مطرقة الهشاشة وسندان قاع البحر

 

إن العمق الحقيقي للمأساة لا يكمن في غياب الفرص فحسب، بل في العقلية التي تدير بها الحكومة الجزائرية هذا الملف الحارق؛ عقلية تختزل كرامة المواطن الشاب وطاقاته الإبداعية في “منحة بطالة هزيلة” لا تسمن ولا تغني من جوع. إن تحويل جيل كامل من الخريجين والكفاءات إلى طابور طويل ينتظر إعانة شهرية بائسة، هو تكريس صريح لثقافة التبعية والإذلال الممنهج التي تجعل المواطن أشبه بـ”تابع” مسلوب الإرادة داخل وطنه، بدل أن يكون شريكاً في إنتاج الثروة.عندما تتعامل المنظومة مع شعبها بمنطق “المسكنات والفتات” في بلد يسبح فوق بحار من النفط والغاز، فإنها لا تحل أزمة، بل تشرعن العبودية الاقتصادية وتغلق في وجه الشباب كل أبواب المواطنة الحقيقية.

إن هذا الاستخفاف الحكومي الصارخ بالكرامة الإنسانية، والإصرار على تغييب الحلول الهيكلية، هو الذي نزع الأمان من قلوب الشباب، وحول قاع المتوسط إلى مقبرة جماعية لأبناء بلد كان أولى به أن يستثمر في إنسانية مواطنيه قبل حقول غازه.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.