زمن العمالقة.. عندما كان التعليق الرياضي أدباً وفصاحة

0 8

متابعة : بوجندار______ عزالدين.

أسياد المايكروفون.. زمن الإعلام الرفيع

 

تُثير صورة الجيل الذهبي للقسم الرياضي بالتلفزة المغربية أواخر الثمانينات (سعيد زدوق، الراحل محمد لحمر، قائمة بلعوشي، وحسن الحريري) حنيناً جارفاً ليس فقط لشاشات الأبيض والأسود والألوان الباهتة، بل لـ “معايير الجودة والمهنية” التي طبعت ذلك العصر. يقودنا هذا المشهد إلى عقد مقارنة مهنية حتمية بين جيل “العمالقة” الذي صنع مجد الميكروفون برصانة الكلمة، وبين واقع الإعلام الرياضي المعاصر الذي يعيش تحت وطأة التكنولوجيا والسرعة الخانقة.

 

في تلك الحقبة، لم تكن النجومية تُقاس بعدد المتابعين أو نسبة النقر ، بل كانت تُكتسب عبر التمكن اللغوي، الثقافة العامة الواسعة، والوقار أمام الكاميرا. كان المذيع أو المعلق الرياضي يقضي ساعات طوال في التوثيق والبحث في الأرشيف الورقي قبل صعود الاستوديو.اليوم، تحولت النجومية الإعلامية في كثير من الأحيان إلى “استعراض بصري” وصناعة لـ “البوز”. غاب الهدوء الرصين الذي كان يميز الراحل محمد لحمر، وحلت محله الصوتيات المرتفعة، الصراخ المصطنع، والبحث عن الإثارة لضمان الانتشار على منصات التواصل الاجتماعي، مما أفقد المادة الرياضية قيمتها التثقيفية وتحولت إلى مجرد مادة استهلاك سريع.

 

تميز جيل زدوق والحريري بـ البيان اللغوي الرفيع؛ كانت لغتهم العربية المطعمة بدارجة مهذبة تنساب بسلاسة دون لحن أو ركاكة، مما جعل من التعليق الرياضي مدرسة لغوية بحد ذاتها تلتف حولها العائلات.في المقابل، يعاني الخطاب الإعلامي الرياضي الحالي من فقر تعبيري واضح، حيث تسيطر لغة “المقاهي” والمصطلحات الدارجة المبتذلة على التحليل والتعليق. أصبح التركيز منصباً على إطلاق الألقاب والعبارات المسجوعة الجاهزة عوضاً عن تفكيك الخطط التكتيكية، قراءة المباريات، وبناء وعي كروي حقيقي لدى المشاهد.

 

أكبر مزايا ذلك الجيل كانت القدرة على الحفاظ على الحياد والموضوعية والمسافة المهنية من جميع الأندية والفاعلين. عندما كانت قائمة بلعوشي تحاور بطلاً أو مسيراً، كانت تفعل ذلك بجرأة مهنية تامة وبأدب رفيع يخدم الحقيقة الرياضية دون تصفية حسابات أو محاباة.أما المشهد الحالي، فقد أصيب بـ “الاستقطاب الحاد”؛ حيث انزلق بعض الإعلاميين إلى عباءة “المشجع” أو “المدافع” عن مصالح نادٍ معين لضمان رضا الجماهير الرقمية. هذا التماهي مع التعصب الجماهيري ضرب مصداقية الرسالة الإعلامية في مقتل، وتحول الاستوديو من فضاء للنقاش العقلاني إلى ساحة للملاسنات والمشاحنات.

 

يمكننا بالتأكيد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا يمكن إنكار الطفرة التقنية الهائلة والإمكانات البصرية المرعبة التي توفرها القنوات الحديثة. لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الإعلام الرياضي اليوم هو استعادة الروح والمنهج الأخلاقي لذلك الجيل الذهبي. إن التطور التقني يجب أن يكون خادماً للرصانة المهنية، لا مقبرة لها، حتى لا تظل شاشاتنا تلمع بالألوان البراقة وهي فارغة من المحتوى الإنساني والمعرفي الأصيل.

 

في الختام، يبقى الإعلام الرياضي النابض الحقيقي بقلب المنافسات، وليس مجرد ناقل للأحداث. إن الصحفيين والإعلاميين الرياضيين هم حراس الحقيقة خلف الكواليس، وصناع الشغف الذي يربط الجماهير بملاعبهم. بفضل أقلامهم الحرة وتحليلاتهم الموضوعية، تتحول المباريات العابرة إلى قصص ملهمة تُخلّد في الذاكرة، مما يجعلهم الركيزة الأساسية في بناء وعي رياضي يرتقي بالمنظومة ككل

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.