بين الأمس واليوم.. ماذا تغيّر بتامنصورت وحربيل؟
بقلم: عبدالعزيز______شطاط.
بين الأمس واليوم، وبين خمس سنوات مضت وخمس سنوات جديدة تلوح في الأفق، يبدو أن شيئاً ما قد تغيّر في تامنصورت وحربيل… أو ربما لم يتغير شيء، سوى أن عقارب الساعة الانتخابية عادت إلى الدوران من جديد.
خلال السنوات الخمس الماضية، عاشت ساكنة تامنصورت وحربيل على إيقاع مجموعة من الإشكالات اليومية التي ظلت حاضرة في حديث المواطنين وانتظاراتهم، من النقل والنظافة، إلى البنية التحتية والطرق، واحتلال الملك العمومي، والكلاب الضالة، والخدمات العمومية، وغيرها من الملفات التي تحتاج إلى تتبع مستمر وتدبير لا يرتبط بموسم انتخابي محدد.
كان المواطن، في كثير من الأحيان، يبحث عمن يسمعه، ومن يقترب من مشاكله، ومن يقدم له جواباً واضحاً حول قضايا تمس حياته اليومية.
لكن، ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت ملامح المشهد تتغير.
اللقاءات تعود، والزيارات تتكاثر، والوجوه التي غابت عن المشهد لفترات تظهر من جديد، وتعود الوعود والشعارات والحملات والتجمعات إلى الواجهة، وكأن السنوات الخمس الماضية لم تكن سوى فترة فاصلة بين استحقاقين انتخابيين.
وهنا يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً، لكنه عميق الدلالة: أين كانت هذه الدينامية طوال السنوات الماضية؟
ولماذا لا تكون الزيارات والتواصل مع الساكنة بنفس القوة عندما يتعلق الأمر بمشكل النقل، أو إصلاح طريق، أو معالجة وضعية النظافة، أو الحد من مظاهر احتلال الملك العمومي، أو إيجاد حلول لمختلف الملفات التي تشغل المواطن يومياً؟
المشكلة ليست في عودة السياسي إلى الشارع، فهذا جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية، وليست في التواصل مع المواطنين خلال الحملات الانتخابية، فذلك حق مشروع.
لكن الإشكال يبدأ عندما يصبح التواصل مع المواطن موسمياً، بينما تظل حاجياته ومشاكله قائمة طوال السنة.
خمس سنوات من الصمت… ثم صحوة انتخابية؟
قد يبدو المشهد لبعض المواطنين وكأن المنطقة تدخل، مع كل موعد انتخابي، مرحلة جديدة من الحركية السياسية، قبل أن تهدأ الأمور مجدداً بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
وهنا لا بد من طرح سؤال آخر: هل ينبغي أن يكون المواطن حاضراً في أجندة المنتخب والسياسي طوال الولاية، أم أن حضوره يزداد فقط عندما يصبح صوته مطلوباً؟
فالمواطن لا يحتاج فقط إلى من يطرق بابه في موسم الانتخابات، بل يحتاج إلى من يتابع ملفاته ومشاكله طيلة الولاية.
وفي خضم هذا النقاش، تظهر قضية أكثر حساسية، وهي ما يتردد في الشارع من أحاديث حول استغلال الحاجة والفقر والهشاشة في العملية الانتخابية، أو تقديم مقابل مادي أو عيني مقابل الأصوات.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين ما هو متداول بين الناس وما يمكن إثباته بالأدلة.
فالانتخابات ليست سوقاً لبيع وشراء الأصوات، والمواطن ليس سلعة، والفقر والحاجة لا ينبغي أن يتحولا إلى أدوات لاستمالة الناخب.
وإذا ثبتت ممارسات من هذا النوع في أي مكان، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يقدم المقابل ومن يقبله، وإنما يتعلق أيضاً بمدى احترام قواعد المنافسة الانتخابية ونزاهتها، وبالدور الذي يفترض أن تضطلع به الجهات المختصة في المراقبة والتدخل وفق القانون.
ومن هنا تتناسل الأسئلة: من يستغل حاجة المواطن؟ ومن يحاول تحويل الفقر إلى وسيلة انتخابية؟ ومن يبيع الوعود؟ ومن يشتري الولاءات؟ ومن يراقب؟ ومن يحاسب؟
أسئلة لا ينبغي أن تتحول إلى اتهامات مجانية، لكنها أيضاً لا ينبغي أن تُدفن تحت ضجيج الحملات الانتخابية.
وفي سياق آخر، أثارت صور ومشاهد متداولة لنشاط انتخابي، ظهر فيها مسؤول إداري بلباس يحمل رمزاً حزبياً، نقاشاً حول حدود الحضور الشخصي للمسؤول الإداري وعلاقته بمبدأ الحياد الإداري.
وهنا أيضاً، لا مجال لإصدار الأحكام دون معطيات كاملة.
هل كان الحضور بصفة شخصية؟ هل تم خارج أوقات العمل؟ هل استُعملت وسائل أو موارد عمومية؟ أم أن الأمر يتعلق بمجرد اختيار شخصي لا علاقة له بالمهام الإدارية؟
هذه أسئلة مشروعة، والإجابة عنها تبقى من اختصاص الجهات المعنية، لأن الإدارة العمومية يفترض أن تحافظ على حيادها، وأن تتعامل مع المواطنين والمتنافسين السياسيين على قدم المساواة، بعيداً عن أي توظيف للصفة أو الإمكانيات العمومية في المنافسة الانتخابية.
وفي الجهة الأخرى، يتداول الرأي العام صوراً ومشاهد لحضور رئيس جماعة حربيل في عدد من الأنشطة واللقاءات ذات الطابع الانتخابي بدواوير المنطقة.
والأصل هنا هو التمييز بين صفتين: الصفة السياسية والصفة التدبيرية.
فالمنتخب له حقه في ممارسة العمل السياسي والحزبي، لكن المواطن من حقه أيضاً أن يتساءل عن الحدود الفاصلة بين النشاط السياسي وبين تدبير الشأن العام، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باستعمال الإمكانيات أو الوسائل أو المرافق التابعة للجماعة.
فالمواطن الذي ينتظر قضاء مصلحة إدارية لا يسأل عن لون الحزب.
والذي يعاني من مشكل في النقل أو الطريق أو النظافة أو الخدمات العمومية، لا يبحث عن شعار انتخابي، وإنما عن حل لمشكلته.
وهنا تحديداً تكمن قيمة المسؤولية السياسية: أن يكون المنتخب حاضراً مع المواطن في وقت الحاجة، وليس فقط عندما يقترب موعد الاقتراع.
تامنصورت ليست مجرد ورقة انتخابية.
وحربيل ليست مجرد دائرة انتخابية.
والساكنة ليست مجرد أرقام تُستدعى كل خمس سنوات ثم تعود إلى الهامش.
المواطن الذي تُطرق بابه اليوم طلباً لصوته، هو نفسه المواطن الذي كان يطرق الأبواب بالأمس بحثاً عن حقه في خدمة عمومية محترمة.
والذي يُطلب منه اليوم أن يمنح ثقته، من حقه أن يسأل: ماذا تحقق خلال الولاية الماضية؟ ما الذي تغير على أرض الواقع؟ ما هي المشاريع التي أُنجزت؟ وما هي الملفات التي ما زالت تنتظر الحل؟ وماذا سيحدث بعد انتهاء الحملة وإغلاق صناديق الاقتراع؟
هذه ليست أسئلة عدائية، بل هي جوهر العملية الديمقراطية.
فالديمقراطية لا تختصر في يوم التصويت، والعمل السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى موسم انتخابي ينتهي بانتهاء الحملة.
المواطن يحتاج إلى منتخب يتواصل معه طوال الولاية، وإلى مسؤول يُحاسَب على النتائج، وإلى مؤسسات تشتغل وفق قواعد واضحة، وإلى تدبير يربط المسؤولية بالمردودية.
وفي النهاية، لسنا هنا لمحاكمة النوايا، ولا لتوزيع الاتهامات، ولا لتحويل الشائعات إلى حقائق.
لكننا نمارس حقنا في السؤال.
نسأل لأن من حق المواطن أن يعرف.
ونسأل لأن المسؤول مطالب بتقديم الأجوبة.
ونسأل لأن الانتخابات ليست سوقاً للبيع والشراء، والفقر ليس ورقة انتخابية، وصوت المواطن ليس غنيمة.
وبين الأمس واليوم، يبقى السؤال مفتوحاً في سماء تامنصورت وحربيل:
هل تغيّر شيء فعلاً؟
أم أن كل شيء سيعود إلى سابق عهده بمجرد أن تنتهي الحملة، وتُغلق صناديق الاقتراع، ويعود المواطن من جديد إلى طوابير الانتظار وأبواب المطالب والشكايات؟
اللهم إني قد بلغت… اللهم فاشهد.