محيط محطة “ستيام” بمراكش.. حينما يتحول الفضاء العام إلى ملاذ للانحراف

0 43

متابعة: بوجندار ______عزالدين .

كارثة التشرد بمراكش.. نداء للمؤسسات والمجتمع المدني للتدخل العاجل.

 

 

بين البريق العالمي للمدينة الحمراء والواقع اليومي لبعض أحيائها الحيوية، خيط رفيع تكاد تقطعه المظاهر الصادمة التي بات يشهدها محيط محطة “ستيام” بقلب حي جليز بمراكش. فلم يعد الأمر مقتصرًا على حالات معزولة لـ “التشرد”، بل تحول الفضاء العام إلى ما يشبه “قنبلة موقوتة” تهدد السكينة العامة، وتسيء بشكل مباشر للوجه السياحي للمملكة.

 

بناءً على معاينات ميدانية وإفادات متطابقة استقتها الجريدة من أصحاب المحلات التجارية والمقاهي المجاورة، فإن المنطقة أضحت نقطة سوداء تجمع فئات واسعة من المتخلى عنهم ومن المقيمين في وضعية الشارع. والأخطر من ذلك حسب ذات التصريحات هو الحضور الوازن لـ قاصرين وقاصرات يعيشون في ظروف إنسانية وصحية مزرية، تظهر عليهم علامات واضحة لتعاطي وإدمان مختلف أنواع المخدرات والمواد الهلوسة.ويؤكد أحد تجار الحي (ف. أ) في تصريح للموقع: «المكان لم يعد آمناً؛ لقد تحول الرصيف إلى حلبة مفتوحة للصراعات اليومية والمشاجرات العنيفة المقرونة بالألفاظ النابية، ناهيك عن تنامي عمليات السرقة بالنشل واعتراض سبيل المارة، بما فيهم السياح الأجانب الذين يقصدون هذه المنطقة الحيوية»

 

 

ما يثير قلق الفعاليات المحلية، ليس فقط الجانب الأمني، بل المأساة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم. إذ تشير معطيات مستقاة من عين المكان إلى وجود فتيات قاصرات في حالة تشرد متقدمة، وبعضهن يواجهن ظروفًا أكثر تعقيداً كالـ حمل الناتد عن الاستغلال في الشارع، وهو ما يضع المجتمع ومؤسسات الرعاية الاجتماعية أمام محك حقيقي لحماية الطفولة والفتيات في وضعية هشة.

 

ورغم الشكايات المتعددة التي تقاطعت على مكاتب السلطات المحلية والأمنية من طرف الساكنة والمتضررين، إلا أن المقاربة المعتمدة حتى الآن توصف بـ “المحتشمة” أو “الموسمية”. حيث تفيد الشهادات بأن التدخلات تسفر أحياناً عن إبعاد هذه المجموعات مؤقتاً، لكن سرعان ما تعود الأمور إلى سابق عهدها بمجرد مغادرة الدوريات.

ويطالب الفاعلون الاقتصاديون والساكنة بحي جليز بـ مقاربة تشاركية حازمة ومستدامة، لا تقتصر على الحملات التطهيرية العابرة، بل تمتد لتشمل:استدامة الحضور الأمني:

● عبر دوريات راجلة ومستمرة لولاية أمن مراكش لضمان زجر الجريمة وإعادة الطمأنينة للمارة والتجار.

● المقاربة الاجتماعية والإدماجية: بتنسيق وثيق بين السلطات الإقليمية (الولاية) ومصالح التعاون الوطني والجمعيات المختصة، لترحيل القاصرين والقاصرات فوراً نحو مراكز حماية الطفولة وإخضاع المدمنين لبرامج علاجية وتأهيلية.

● تفعيل دور المراقبة: تزويد النقط السوداء بكاميرات مراقبة متطورة لرصد السلوكات الانحرافية قبل تطورها إلى اعتداءات جسدية.

 

ما يحدث في بعض النقاط السوداء بقلب مراكش النابض “جليز” لم يعد مجرد “مظهر مخل بالسكينة العامة”، بل هو كارثة إنسانية وبيئية واجتماعية تسائلنا جميعاً. فترك فئات من القاصرين والقاصرات عرضة للضياع، والتعاطي لشتى أنواع المخدرات، والتناسل في بيئة تغيب عنها أدنى شروط الكرامة الإنسانية، يُعد طعنة في ظهر المجهودات التنموية للمملكة.

إن مغرب اليوم، الذي يخطو بثبات نحو الريادة الإقليمية والدولية ويستعد لاحتضان كبريات التظاهرات العالمية، لم يعد يحتمل التدبير الأحادي أو الحلول الترقيعية “الموسمية”. إننا بحاجة ماسة وغير قابلة للتأجيل إلى تنسيق وثيق وتكامل حقيقي بين كافة المؤسسات من سلطات ترابية، وأجهزة أمنية، ومجالس منتخبة، ومصالح الرعاية الاجتماعية إلى جانب فعاليات المجتمع المدني الجاد؛ لصياغة استراتيجية إنقاذ وطنية واضحة المعالم.

مراكش ليست مجرد مدينة عادية، بل هي الواجهة السياحية العالمية للمملكة، وصورتها هي مرآة لصورة المغرب في عيون العالم. وحماية هذا الإرث الحضاري والاقتصادي تبدأ أولاً بحماية الإنسان، وانتشال هذه الفئات الضائعة من مستنقع الجريمة والإدمان، وإعادة القطار الاجتماعي إلى سكته الصحيحة قبل أن تتحول هذه البؤر إلى ظواهر يستعصي احتواؤها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.