الحلقة المفقودة في مستشفياتنا.. غياب الاستقبال وبلوكاج التواصل

0 5

بوجندار_عزالدين مدير نشر

المقال السادس والثمانون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: أزمة الصحة بالمغرب.. مشكل “تسيير وتواصل” لا غير!

 

يشهد قطاع الصحة بالمغرب طفرة غير مسبوقة على مستوى البنيات التحتية والتجهيزات البيوطبية، مدعومة بجيل جديد من الأطباء والأطر التمريضية الشابة التي أثبتت كفاءة علمية ومهنية عالية.

بيد أن هذا التطور الهيكلي والتحول النوعي في جودة الرأسمال البشري يصطدم بجدار سميك يُفسد طعم هذه المنجزات؛ جدار يتلخص في عجز الحكامة الإدارية وضبابية القنوات التواصلية داخل المؤسسات الاستشفائية. إن الأزمة الحقيقية التي يشعر بها المواطن اليوم لم تعد أزمة “طبيب” أو “مستشفى”، بل هي أزمة “مسار مريض” تتحكم فيه إدارة بيروقراطية تفتقر لمرونة التدبير الحديث.

 

تتجلى معالم الخلل في المستشفيات المغربية اليوم في بون شاسع بين مؤشرين:

■ الأطباء والشباب الـمُشرف: كفاءات وطنية عالية التكوين، تضحي في ظروف ضاغطة، وتقدم خدمات طبية ترقى للمعايير الدولية.

■ البيروقراطية الإدارية: مساطر معقدة، غياب الرقمنة الشاملة في حجز المواعيد وتدبير الملفات الطبية، والاعتماد على تدبير أزمات لحظي بدل التخطيط الاستراتيجي.

■ هدر الموارد العينية: مستشفيات مجهزة بأحدث الآليات (كأجهزة الرنين المغناطيسي أو السكانير) تظل معطلة أو خارج الخدمة ليس لغياب الطبيب، بل لغياب الصيانة التدبيرية أو سوء توزيع الموارد البشرية الإدارية.

 

إن الحلقة الأضعف في المنظومة الاستشفائية الحالية هي التواصل؛ إذ تفتقر المستشفيات العمومية إلى رؤية مؤسساتية واضحة في تدبير علاقتها بالمرتفقين:

1■ غياب لافت لمخاطب مرجعي يوجه المريض وعائلته منذ خطوة الولوج الأولى، مما يخلق حالة من الفوضى والارتجال.

2■ عدم إشراك أسرة المريض في تطورات وضعيته الصحية بأسلوب مبسط ومحترم، يولد مناخاً من الشك والتوتر والاحتقان الذي ينتهي غالباً بمشادات مع الأطقم الطبية.

3■ ضعف قنوات التواصل الإلكتروني الرسمية للمستشفيات، مما يترك الباب مشرعاً للشائعات والأخبار المغلوطة على منصات التواصل الاجتماعي.

 

لإخراج المستشفيات من هذه الشرنقة، يرى خبراء السياسات الصحية أن الحل لا يكمن في زيادة عدد الأسرة بقدر ما يكمن في مراجعة نمط الحكامة. إن تنزيل ورش الحماية الاجتماعية يفرض إقرار نظام تدبيري مستوحى من القطاع الخاص، يعتمد على ربط المسؤولية بالمحاسبة، ورقمنة مسار المريض بالكامل لقطع دابر المحسوبية، وضخ دماء إدارية متخصصة في “تسيير المنشآت الصحية والتواصل المؤسساتي”، بعيداً عن إثقال كاهل الطبيب بمهام إدارية ليست من اختصاصه.إن كفاءة الطبيب المغربي وجاهزية المستشفيات الحديثة ستظلان قاصرتين عن نيل رضا المواطن، ما لم يتم تحرير الإدارة الصحية من قيودها الكلاسيكية، وجعل التواصل الإنساني والمهني المُنطلق والمنتهى في علاقة المرفق بمرتفقيه.

 

آسِي الـمَسؤول الأول عن قطاع الصحة بالمغرب؛ إن البنيات التحتية شُيِّدت، والكفاءات الطبية الشابة جاهزة ومستعدة للتضحية، ولم يعُد هناك أي مبرر للاختباء وراء قلة الموارد. الكرة اليوم في مرمى وزارتكم الموقرة لثورة حقيقية تطهر إدارة المستشفيات من البيروقراطية، وتفرض هندسة تواصلية تحترم كرامة المواطن؛ فنجاح الورش الملكي للحماية الاجتماعية رهين بقرار شجاع منكم ينهي زمن الارتجال الإداري.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.