وزيرة تُعفى.. ورئيس جماعة يستمر: أين تنتهي المسؤولية وأين تبدأ المحاسبة؟
بقلم : بوجندار ________عزالدين.
المقال الرابع والأربعون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: وزيرة تُعفى.. ورئاسة جماعة تثير الأسئلة!
ليست المسؤولية العمومية امتيازاً يُمنح للمسؤول ليستمتع بكرسي السلطة، وليست منصباً إدارياً يضمن لصاحبه البقاء مهما كانت الأسئلة المحيطة بتدبيره. إنها، قبل كل شيء، أمانة تقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة، واحترام القانون، ووضع مصالح المواطنين فوق كل اعتبار.
ومن هنا، تبرز مفارقة تستحق النقاش في المشهد المغربي: مسؤولون يغادرون مناصبهم في سياقات تثير الجدل حول الثقة والمسؤولية، بينما تستمر حالات أخرى في تدبير الشأن المحلي رغم محطات قضائية ثقيلة طبعت مسارها. فأين يكمن معيار المحاسبة؟ وهل تُطبّق قواعد المسؤولية السياسية بالوضوح والصرامة نفسيهما على مختلف مستويات السلطة؟
أعاد إعفاء ماديحة خيير، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، إلى الواجهة النقاش حول ظروف تداول وثيقة طبية قديمة، وما أثير بشأن تسريب معطيات شخصية مرتبطة بها.
وإذا كانت الملابسات الدقيقة للإعفاء وأسبابه الرسمية تحتاج إلى توضيح موثوق، فإن القضية تفتح باباً أوسع للنقاش حول معايير التعيين والإعفاء، وحدود المسؤولية السياسية، وضرورة حماية المعطيات الشخصية من التداول غير المشروع.
فالمناصب الحكومية ليست مكاسب شخصية، كما أن الإعفاء لا ينبغي أن يتحول إلى عقوبة إعلامية مبنية على التأويلات أو التسريبات. المطلوب هو الوضوح، واحترام القانون، وتحديد المسؤوليات بناءً على وقائع ثابتة، لا على الانطباعات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة أكبر هو: ماذا عن المسؤولية في تدبير الجماعات الترابية؟ وهل تكفي المساطر القضائية وحدها لحسم النقاش حول الثقة السياسية والأداء المحلي؟
في جماعة حربيل تامنصورت، لا يتعلق الأمر بمجرد نقاش نظري حول المسؤولية، بل بملف قضائي سبق أن استأثر باهتمام الرأي العام.
فقد أوردت وسائل إعلام مغربية أن رئيس الجماعة أُوقف سنة 2023 في قضية مرتبطة بالارتشاء، عقب تبليغ عبر الرقم الأخضر، وأن المحكمة الابتدائية بمراكش قضت في مرحلة أولى بشهرين حبسا نافذا وغرامة مالية.
وفي مرحلة الاستئناف، أفادت تقارير صحفية بصدور حكم بعقوبة سنتين حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها عشرة آلاف درهم. كما ورد لاحقاً خبر عن قبول محكمة النقض الطعن ونقض القرار مع الإحالة، وهو تطور قضائي جوهري يستوجب التحقق من مآل الملف قبل تقديم أي حكم سابق باعتباره نهائياً أو وصف الوضعية القانونية الحالية للرئيس دون سند حديث.
وهنا ينبغي أن يكون السؤال الصحفي واضحاً: ما الوضعية القضائية الراهنة للملف؟ وما الأثر القانوني لهذه الوضعية على استمرار المعني بالأمر في ممارسة مهامه؟ وهل اتُّخذت أي إجراءات إدارية أو مؤسساتية ذات صلة؟
إن هذه الأسئلة ليست إدانة مسبقة لأي شخص، بل هي مطالب مشروعة بالشفافية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتدبير مؤسسة منتخبة ومصالح آلاف المواطنين.
بعيداً عن أسماء المسؤولين والمساطر القضائية، هناك واقع يومي يعيشه سكان تامنصورت والدواوير التابعة لجماعة حربيل، وهو الواقع الذي يجب أن يحتل صدارة النقاش العمومي.
فالمواطن الذي ينتظر تحسناً في النقل الحضري، أو خدمات صحية أكثر انتظاماً، أو طرقاً وتجهيزات أساسية تليق بتوسع المنطقة، لا تعنيه المناصب في حد ذاتها بقدر ما تعنيه النتائج التي يلمسها في حياته اليومية.
والطلبة والعمال والمرضى والأسر التي تواجه صعوبات في الوصول إلى الخدمات الأساسية لهم الحق في معرفة ما تحقق فعلياً، وما تعثر، ومن يتحمل مسؤولية التأخير، وما البرنامج الزمني لمعالجة الاختلالات.
أما القول إن أوضاع المقربين من دوائر القرار تحسنت على حساب بقية السكان، فهو ادعاء خطير يستوجب أدلة ومعطيات دقيقة قبل اعتماده كحقيقة. لكن ذلك لا يمنع الصحافة من المطالبة بكشف معايير توزيع المشاريع والصفقات والتجهيزات، ومدى استفادة مختلف الأحياء والدواوير منها، وفق معايير الإنصاف وتكافؤ الفرص.
فالتنمية لا تُقاس بعدد الاجتماعات والصور الرسمية، وإنما بمدى انعكاسها على حياة الناس، وبقدرة المؤسسات على تحويل الوعود إلى خدمات ملموسة.
إن تدبير جماعة ترابية مسؤولية تتجاوز الشخص الذي يرأس مجلسها؛ فهي ترتبط بالمجلس المنتخب، والإدارة الترابية، وأجهزة الرقابة، والقوانين المنظمة لعمل الجماعات، فضلاً عن دور القضاء في الفصل في الملفات المعروضة عليه.
ومن حق سكان حربيل وتامنصورت أن يطرحوا أسئلة مباشرة على ممثليهم: ما حصيلة الولاية الانتدابية؟ ما المشاريع التي أُنجزت؟ ما أسباب تعثر المشاريع الأخرى؟ كيف تُصرف الميزانية؟ وما الإجراءات المتخذة لضمان الشفافية وتكافؤ الفرص؟
ومن حقهم كذلك أن يطالبوا الجهات المختصة بتوضيح الوضعية القانونية والمؤسساتية للرئاسة الجماعية، دون التشكيك في القضاء أو استباق قراراته.
فإذا كان مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يشكل أحد أعمدة الحكامة الجيدة، فإن تطبيقه يجب أن يستند إلى القانون والوقائع، لا إلى الانتقائية أو الحسابات السياسية.
من قلب الخابية، لا نبحث عن تصفية حسابات مع أشخاص، ولا نصدر أحكاماً خارج قاعات المحاكم. إنما نضع أمام الرأي العام مفارقة تستحق جواباً مؤسساتياً واضحاً: كيف تُحدد معايير تحمل المسؤولية السياسية؟ وما الضمانات التي تجعل تدبير الشأن المحلي مرتبطاً بالكفاءة والشفافية واحترام القانون؟
في تامنصورت _ حربيل، لا يحتاج المواطن إلى مزيد من الشعارات بقدر حاجته إلى نقل يحترم وقته، وصحة تصون كرامته، وبنية تحتية تستجيب لحاجاته، وتدبير يتيح له معرفة أين تذهب الموارد وما الذي تحقق بها.
وتبقى جريدة المشاهد، من خلال سلسلة «من قاع الخابية»، منفتحة على الرأي الآخر، ومستعدة لنشر توضيحات الجهات المعنية، شريطة احترام قواعد المهنة والاستناد إلى الحجج والوثائق، لأن الصحافة المسؤولة لا تكتفي بطرح الأسئلة الصعبة، بل تحرص أيضاً على الدقة والإنصاف واحترام القانون.