حين يفشل الرمز في احتضان المعنى : مقاربة نقدية في تخبط الفعل الثقافي بمهرجان أرگان إحاحان

0 311

بوجندار عزالدين / المشاهد

متابعة : الطالب بيهي / الحسين بليض

 

في لحظة يفترض أن تكون احتفالية بالهوية، واستعادة للرمز، وتكريسا لحق الشعوب في تأويل ذواتها عبر الثقافة، تحول مهرجان “أرگان إحاحان” إلى ممارسة ثقافية مرتبكة، تفتقد لمقومات الفعل، وتفضح هشاشة البنية التنظيمية والمؤسساتية للمبادرة الثقافية في المجال الهامشي.

إن ما عشناه خلال فعاليات هذا الحدث في دورة السادسة لا يمكن اختزاله في مجرد “سوء تدبير”، بل يتجاوز ذلك نحو ما يمكن تسميته بـ”الانهيار الرمزي”، حين تفشل المبادرة في الوفاء للحد الأدنى من شروط الاعتراف: الاعتراف بالإعلام كوسيط شرعي، بالفنان كرمز، بالجمهور كشريك، وبالمجال كحامل لحق الوجود.

فالثقافة، في المنظور الفلسفي الحديث، ليست مجرد عرض فولكلوري أو طقس جماهيري مناسباتي، بل هي بنية للمعنى، ومجال لإنتاج الرمزية الاجتماعية، وساحة لتجسيد التعاقد بين الدولة والمجتمع. وحين يغيب التنظيم، وتُقصى الكفاءة لصالح الزبونية، وتُستبدل المهنية بالمحسوبية، فإننا نكون أمام إخفاق مزدوج: في التخطيط، وفي التمثيل.

لقد فوجئنا، كإعلاميين، أمام حالة من “الفراغ المؤسسي” في فضاء يُفترض أن يراهن على التشاركية والانفتاح. لا وجود لمركز إعلامي، لا خريطة تنظيمية، لا تواصل رسمي، لا حتى إشارات رمزية تحترم وجود الصحافة كجهاز موازٍ لعين التاريخ. ما وقع هو شكل من “الإقصاء المعنوي”، تتجلى فيه سلطة الإهمال بوصفها أداة لإعادة إنتاج الهامش داخل الهامش.

إن هذا السلوك ليس بريئًا، وليس عارضًا، بل هو انعكاس لبنية ذهنية ترى في الثقافة مجرد لحظة استعراضية، لا مشروعًا مجتمعيًا. فحين يُعامل الإعلام كمتطفل، وتُقصى الطاقات المحلية لحساب شبكة المصالح، ويُختزل الفعل الفني في أسماء تُستحضر للزينة دون موقع أو دور، نكون أمام تواطؤ بنيوي ضد الوعي، وضد الكرامة الرمزية للجماعة.

أين موقع ضيوف الشرف من هذا المهرجان؟ لقد حضروا، نعم، لكنهم لم يُحترموا. لم تُهيأ لهم فضاءات خاصة، ولا مسارات استقبال تليق بمكانتهم. حُشروا وسط الجمهور دون أدنى مراعاة لما يقتضيه مقام الفنان من احتفاء رمزي ومعنوي. إنها لحظة انكشاف مؤسسي تُفرغ فكرة التكريم من دلالتها، وتحوّل الفنان إلى ديكور عابر في مشهد لم يُصنع له.

وفي خلفية هذا العبث التنظيمي، تُطرح أسئلة عميقة حول جدوى الفعل الثقافي إذا لم يُؤطر برؤية، ولم يُنجز بضمير. فغياب العدالة المجالية، والإقصاء الفاضح لأبناء المنطقة، وتقليص حضور “التبوريدة” من الفضاء العام، كلها مؤشرات على استبطان السلطة المحلية لفلسفة “التقزيم الرمزي”، وتفضيل الامتثال للمصالح الشخصية على حساب التمثيلية الثقافية الحقيقية.

إن الدولة الحديثة، كما يعرفها هابرماس، تقوم على “المشروعية التواصلية”، أي على قدرة المؤسسات على الانخراط في حوار عقلاني مع المواطنين. وما رأيناه في مهرجان أرگان إحاحان، لا يعكس سوى انقطاع هذا الحوار، وانهيار شروطه: لا تواصل، لا شراكة، لا شفافية. فقط رغبة في إخضاع الفعل الثقافي لمنطق “التحكم الناعم”، عبر أدوات ظاهرها التنظيم وباطنها الإقصاء.

لقد آن الأوان لنتجاوز وهم “المهرجان كاحتفال”، نحو إعادة تعريفه كرافعة تنموية، كآلية لإنتاج المعنى، كأفق للمشاركة الديمقراطية. فالثقافة التي لا تكرّم العقل، تُحوّل الهوية إلى استهلاك عاطفي. والمهرجان الذي لا يُنظّم باحترام الإنسان، يُحوّل الفضاء العام إلى عبء وجودي لا يُطاق.

نحن، الجيل الإحيحي الجديد، لا نطلب مكرمات، ولا ننتظر أوصياء. ما نريده هو الاعتراف: اعتراف بدور الإعلام، بمكانة الفنان، بحق المواطن في أن يكون جزءًا من المشروع، لا متفرجًا عليه. نريد فعلاً ثقافيًا لا يُدار بعقلية الريع الرمزي، بل يُبنى على تعاقد قيمي مع الكفاءة والحق والكرامة.

هذه المرافعة ليست استعداء لأحد، ولكنها احتجاج أخلاقي على مسار يعبث بمعنى الثقافة، ويُحوّلها إلى مناسبة للفرجة المنفصلة عن التاريخ. إنها دعوة إلى تصحيح المسار، قبل أن يفقد “أرگان إحاحان” روحه، ويتحول من احتفاء بالهوية إلى شاهد على نسيانها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.