تونس والمغرب في فخّ الجغرافيا السياسية: حين تحوّل المهاجرون من عابري حدود إلى معضلة سيادية واقتصادية

0 273

بوجندار____عزالدين/ المشاهد

متابعة:  حياة اغريب _ تونس

 

لم يكن في حسبان دول المغرب العربي أن يتحول “الحلم الأوروبي” لآلاف المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى واقع ضاغط داخل مدنها وأحيائها الهامشية. فمع إغلاق المتوسط وتحوله إلى حاجز أمني متقدم، وجدت تونس والمغرب نفسيهما في قلب معادلة معقدة: بلدان عبور تتحول قسراً إلى فضاءات استقرار، وعبء إنساني يتحول تدريجياً إلى تحدٍّ سيادي واقتصادي وأمني.

 

هذا التحول غير المتوقع أعاد رسم أولويات السياسات العمومية، وفرض على العاصمتين مقاربة جديدة لملف لم يعد إنسانياً فقط، بل بات يرتبط مباشرة بالأمن القومي والاستقرار الاجتماعي.

 

سياسياً، لم يعد ملف الهجرة غير النظامية مجرد قضية حدود، بل أصبح ورقة تفاوض وضغط متبادل بين ضفتي المتوسط.

تونس، التي تواجه وضعاً اقتصادياً دقيقاً وإكراهات مالية متصاعدة، تجد نفسها تحت ضغط أوروبي متزايد للاضطلاع بدور “الحارس المتقدم” للحدود البحرية، مقابل وعود بالدعم المالي والتقني. غير أن هذا الدور يضع صانع القرار التونسي أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف يمكن الحفاظ على الشراكات الدولية دون الانزلاق نحو تحويل البلاد إلى منطقة إيواء دائمة للمهاجرين؟

 

في المقابل، اختار المغرب مقاربة أكثر مرونة تقوم على ما بات يُعرف بـ“دبلوماسية الهجرة”، حيث يوازن بين التزامه بعمقه الإفريقي من خلال سياسات إدماج وتسوية أوضاع، وبين تنسيق أمني محكم مع الشريك الإسباني لضبط تدفقات الهجرة، ما يجعل هذا الملف جزءاً من التوازنات الاستراتيجية الكبرى للمملكة.

 

اجتماعياً، فرض التواجد المكثف للمهاجرين واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله. ففي مناطق تونسية مثل عامرة وجبنيانة، أدى تركز أعداد كبيرة من الوافدين في فضاءات محدودة إلى ضغط مباشر على البنية التحتية والخدمات الأساسية.

 

هذا التوسع السكاني المفاجئ غذّى مشاعر القلق داخل الأوساط الشعبية، خصوصاً في ظل محدودية الموارد، وارتفاع الضغط على المواد المدعمة والماء والخدمات الصحية. وهو ما دفع السلطات إلى البحث عن توازن دقيق يحمي الأمن العام ويجنب الاحتكاكات الاجتماعية الناتجة عن التنافس على موارد شحيحة أصلاً.

 

اقتصادياً، أفرزت الظاهرة تأثيرات متناقضة. فمن جهة، ساهمت اليد العاملة الوافدة في سد الخصاص في قطاعات شاقة كالفلاحة والبناء، التي يعزف عنها جزء من الشباب المحلي.

لكن في المقابل، أدى هذا التدفق إلى اختلالات واضحة في سوق العمل، حيث ساهمت العمالة منخفضة التكلفة في تراجع فرص التشغيل المحلية، وتوسع رقعة الاقتصاد غير المنظم الذي يشتغل خارج أي مراقبة ضريبية أو قانونية.

 

إلى جانب ذلك، تشكل كلفة الخدمات العمومية—خصوصاً الصحة والنظافة والبنية البلدية—عبئاً إضافياً على ميزانيات دول تعيش أصلاً تحت ضغط التقشف وترشيد الإنفاق.

 

أمنياً، أدى تشديد المراقبة على المسارات النظامية إلى بروز شبكات إجرامية عابرة للحدود، متخصصة في الاتجار بالبشر.

تحولت بعض السواحل التونسية والشمال المغربي إلى نقاط ساخنة لمواجهة هذه العصابات، التي طورت أدواتها وأساليبها، مما يستدعي استنفاراً أمنياً دائماً لحماية الحدود ومنع تحول هذه المناطق إلى بؤر للفوضى والأنشطة غير القانونية.

 

إن إدارة ملف الهجرة غير النظامية في تونس والمغرب لم تعد تحتمل المقاربات الأمنية الضيقة أو الحلول المؤقتة. فالتحدي الحقيقي يكمن في بلورة رؤية شاملة توازن بين الالتزامات الدولية وحماية السيادة الوطنية، وتحفظ الاستقرار الاجتماعي دون تحميل المجتمعات المحلية كلفة أزمة لم تكن طرفاً في صناعتها.

 

وبين ضغوط الشمال وواقع الجنوب، يبقى الرهان الأكبر هو أن تظل منطقة شمال إفريقيا فضاءً للاستقرار والتنمية، لا مجرد ساحة خلفية لتصدير أزمات القارة الأوروبية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.