تونس تفتتح أول منطقة تجارة حرة كبرى في بن قردان تحت مظلة منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية
بوجندار_____عزالدين/ المشاهد
متابعة: حياة_اغريب
في خطوة توصف بالاستراتيجية لإعادة تموقعها الاقتصادي إقليميا، دشنت الحكومة التونسية “منطقة الشوشة للتجارة الحرة” بمدينة بن قردان، كأول منطقة تجارية دولية كبرى ترى النور فعلياً منذ انضمام البلاد إلى اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (ZLECAF). ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره رهاناً جديداً لتحويل الجنوب التونسي من نقطة عبور تقليدية إلى منصة لوجستية للتبادل التجاري بين أوروبا وعمق أفريقيا.
ويمثل افتتاح المنطقة إشارة واضحة إلى سعي تونس لتغيير الصورة المرتبطة بحدودها الجنوبية، عبر الانتقال من منطق إدارة تدفقات الهجرة غير النظامية إلى منطق تدفقات السلع والخدمات والاستثمارات. وتراهن السلطات على استقطاب رساميل أجنبية، خاصة من أوروبا وآسيا، تبحث عن مواقع قريبة من الأسواق الأفريقية الصاعدة، بما يسمح بإقامة وحدات تصنيع وإعادة تصدير منخفضة التكلفة وقريبة جغرافياً من الضفة الشمالية للمتوسط.
اقتصادياً، تعول تونس على هذه المنطقة لرفع صادراتها نحو سوق أفريقية تضم أكثر من 1.3 مليار مستهلك، بما يساهم في تنويع الشركاء التجاريين وتخفيف الضغط على احتياطيات العملة الصعبة. كما يُنتظر أن توفر المنطقة فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وتنعش الحركة التجارية في الجنوب، الذي ظل لسنوات رهين أنشطة موازية أو محدودة القيمة المضافة.
أوروبياً، لم يمر الحدث دون اهتمام. ففي دوائر اقتصادية ببروكسل، يُنظر إلى المشروع باعتباره متقاطعاً مع مبادرة “البوابة العالمية” (Global Gateway) التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لتعزيز حضوره الاستثماري في أفريقيا ومنافسة قوى اقتصادية أخرى. ويُحتمل أن تتحول تونس، في حال نجاح التجربة، إلى حلقة وصل لوجستية بين الشركات الأوروبية والأسواق الأفريقية، بما يعزز موقعها التفاوضي في علاقاتها الثنائية مع الشركاء الأوروبيين.
ويرى محللون أن تفعيل المنطقة الحرة يمنح تونس ورقة دبلوماسية واقتصادية جديدة، تنقلها من موقع الدولة التي يُنظر إليها أساساً كشريك أمني في ضبط الحدود، إلى شريك تجاري استراتيجي في الربط بين شمال المتوسط وعمقه الأفريقي.
غير أن التفاؤل المحيط بالمشروع لا يحجب تحديات حقيقية، تتعلق بمدى جاهزية البنية التحتية، وتحديث المنظومة البنكية والجمركية، وخلق مناخ أعمال جاذب وشفاف. كما تبرز منافسة قوية من مراكز لوجستية راسخة في المنطقة، من بينها ميناء طنجة المتوسطي، الذي نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ موقعه كبوابة رئيسية للتجارة بين أفريقيا وأوروبا.
بين الطموح والاختبار العملي، تضع تونس قدمها على مسار جديد عنوانه “الاندماج الأفريقي الفعلي”. ويبقى الرهان الحقيقي في قدرة هذا المشروع على تجاوز الطابع الرمزي، والتحول إلى منصة إنتاج وتصدير قادرة على إحداث أثر ملموس في الاقتصاد الوطني وفي تموقع البلاد داخل الخريطة التجارية الإقليمية.