حربيل: توقيف إنتاج مواد البناء يفتح جبهة مواجهة جديدة بين السلطة والمهنيين
بوجندار_____عزالدين / مدير نشر
المقال الرابع والعشرون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: تجفيف منابع البناء العشوائي بحربيل: قراءة في تداعيات “الإغلاق المؤقت” لوحدات الإنتاج.
مراكش _ جماعة حربيل
في خطوة وُصفت بـ”الاستراتيجية الاستباقية”، انتقلت السلطات المحلية بجماعة حربيل بمراكش من سياسة “هدم الأطلال” إلى سياسة “تجفيف المنبع”. فبعد سنوات من المواجهة المباشرة مع الجرافات، قررت قيادة حربيل، تحت إشراف ولاية جهة مراكش-آسفي، استهداف الشرايين التي تغذي أوراش البناء المرخصة وغير المرخصة، عبر إيقاف مؤقت لإنتاج وتسويق مادة “البريك” (الطوب الإسمنتي) في المنطقة.
جاء هذا التحرك بعد رصد تنامي مهول في الأبنية العشوائية بمناطق مثل “دوار لغشيوة” و”آيت واعزو”، حيث أسفرت عمليات التدخل الأخيرة عن هدم أزيد من 200 بناية مخالفة. السلطات، ومن خلال استدعائها لأصحاب وحدات الإنتاج و”الدبوات”، تراهن على أن تعطيل عجلة الإمداد بالمواد الأساسية سيشل حركة “سماسرة البناء” الذين يستغلون الفترات الانتقالية أو الليل لتشييد منازل في ظرف قياسي.
المقال المهني يبرز أن هذه الخطوة تندرج ضمن “مقاربة مندمجة” تشارك فيها عناصر الدرك الملكي والقوات المساعدة. فلم يعد الأمر يقتصر على تحرير المحاضر، بل امتد لفرض رقابة صارمة على المحلات المهنية لبيع مواد البناء، واعتبارها شريكاً غير مباشر في تفريخ الوحدات السكنية العشوائية إذا ما ثبت تزويدها لأوراش لا تتوفر على تصاميم مرخصة.
رغم الطابع الأمني للقرار، يثير مهنيو قطاع البناء تساؤلات حول “الضرر الجانبي” لهذا التوقيف المؤقت. فإيقاف إنتاج البريك بجماعة تعد قطباً عمرانياً (حربيل-تامنصورت) قد يؤدي إلى:
_ تعثر الأوراش القانونية: الحاصلون على رخص شرعية قد يجدون أنفسهم أمام “عطالة إجبارية” لنقص المواد.
_ ظهور “سوق سوداء”: تخوفات من تهريب البريك من جماعات مجاورة بأسعار مضاعفة.
_ التأثير الاجتماعي: توقيف الوحدات الإنتاجية يعني توقف مداخيل مئات العمال المياومين في هذه المقاولات الصغرى.
يرى المتتبعون للشأن المحلي بمراكش أن قرار “توقيف البريك” هو بمثابة “كيّ” للجرح لوقف النزيف العمراني. لكن الحل المهني المستدام، كما تروج له وزارة إعداد التراب الوطني، يكمن في “تبسيط مساطر الترخيص” في الوسط القروي وتفعيل “مدونة البناء” التي تحدد مسؤولية كل متدخل بوضوح.
إن نجاح تجربة “حربيل” في محاربة العشوائي رهين بقدرتها على الموازنة بين الصرابة القانونية والحفاظ على الدينامية الاقتصادية للقطاع، في انتظار حلول تعميرية جذرية تنهي عهد “البريك المهرب.
في نهاية المطاف، يبقى قرار “تجفيف المنابع” سلاحاً ذا حدين؛ فإذا كان الهدف هو حماية النسيج العمراني من “تسونامي” العشوائية الذي يلتهم الأخضر واليابس بمحيط مراكش، فإن الحل لا يجب أن يقتصر على “قطع الرزق” بل على “تنظيم المسار”. إن سياسة “توقيف البريك” قد تُفرمل الجرافات مؤقتاً، لكنها لا تقتل الرغبة في البناء لدى مواطن يبحث عن سقف، ولا تحمي اقتصاداً محلياً يعيش على أنقاض الطوب والإسمنت.
ومع اشتداد خناق هذه الإجراءات، يبرز السؤال المسكوت عنه في كواليس المجالس والعمالات: ما مصير الأسر التي كانت تشتغل في هذه الوحدات الإنتاجية واليوم أصبحت مهددة بالتشرد؟ إن المعركة ضد العشوائي لا يجب أن تُخلف “عشوائية اجتماعية” أشد فتكاً، فالعامل المياوم الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها أمام آلات متوقفة وأبواب مغلقة، هو “الحلقة الأضعف” التي قد تدفع ثمن أخطاء سماسرة كبار ومنتخبين غضوا الطرف لسنوات. إن الحل الحقيقي “من قاع الخابية” هو الذي يزاوج بين هيبة الدولة في تطبيق القانون، وبين الحق في العيش الكريم لآلاف السواعد التي تبني للناس بيوتها وهي لا تملك منها إلا “بريكة” وقطرة عرق.