الزيادة من راس الحمق
متابعة: أمال______لقرافي.
عقوداً طويلة وظل “صيف الوطن” بالنسبة للجالية المغربية المقيمة بالخارج مقدساً لا ينقطع؛ فرحة اللقاء بأرض الوطن، ووصل الرحم، وضجيج العائلات حول الموائد. لكن اليوم، يبدو أن هذه الرابطة المتينة بدأت تتهددها واقعة مريرة اسمها “الشناقة” والغلاء الفاحش، مصداقاً للمثل المغربي القائل: “الزيادة من رأس الحمق”؛ زيادة غير منطقية ولا عقلانية حوّلت زيارة البلد الأم من صلة رحم إلى “استنزاف مالي” يطرد المهاجر قبل المقيم!
فجأة، اكتشف أبناء الجالية أن قضاء عطلة الصيف في مدننا الساحلية يكلف ضعف ما قد يدفعونه في منتجعات إسبانيا، أو تركيا، أو اليونان، حيث الجودة والخدمات الراقية بأسعار معقولة ومدروسة. هنا فـ “البلاد”، بمجرد أن تعبر الميناء أو المطار، تفتح عليك الشره والسماسرة أبوابهم: أسعار فنادق وشقق مكتراة “تطير العقل”، ومطاعم تفرض أرقاماً خيالية لقاء وجبات بسيطة، وحتى “الشمس” ورمال الشواطئ أصبحت تحت رحمة أصحاب “المظلات الشمسية” و”كاريانات” الباركينغ الذين يفرضون إتاواتهم عيناً باين!
وأمام هذا الجشع النهم والزيادات التي خرجت عن حدود العقل، وجد العديد من مهاجرينا حلولاً سريالية لم تكن تُخطر على بال: أصبحوا يفضلون إرسال الهدايا لصلة أرحامهم عبر وكالات نقل البضائع (“العشّاشة”)، بينما يختارون هم وجهات سياحية أخرى توفر لهم الرخاء والاعتدال في الأسعار وتصون كرامتهم وجيوبهم! سيناريو مأساوي يعكس كيف تحول المغرب في نظر أبنائه بالخارج من “دفء الوطن” إلى “مصيدة للمصاريف”.
وهنا، يحق لنا أن نضع الأصبع على الجرح ونسأل المسؤولين والقائمين على قطاع السياحة سؤالاً “خفيفاً ظريفاً”: أين هي أدوار الرقابة وزجر الاحتكار والتلاعب بالأسعار؟ هل تظنون أن الجالية تصنع الأموال في الغربة على الشجر، أم أن القائمين على المراقبة اختاروا سياسة “عين ميكة” وتركوا المواطن والمهاجر في مواجهة مباشرة مع التوحش الاستهلاكي؟
إن الاستمرار في التعامل مع “عطلة المهاجر” كـ “همزة” موسمية يجب حلبها حتى آخر درهم، يضرب في الصميم الاقتصاد الوطني ويُفرغ المبادرات الوطنية للترحيب بالجالية من محتواها. إذا كان ابن الوطن بات يعجز عن العيش فيه لأسابيع قليلة بسبب غلاء المعيشة، فكيف حال المواطن البسيط الصامد هنا طوال السنة والذي بات يعيش تحت عتبة الفقر؟
نصيحة “خفيفة ظريفة” لمهندسي المنظومة السياحية والرقابية: المهاجر المغربي لم يعد يشتري “الوهم” ولا يصبر على “الحكرة”. إن لم تستفيقوا من غيبوبتكم وتضبطوا أسعار السوق، فستجدون الشواطئ فارغة والمآثر مهجورة، وساعتها لن ينفع البكاء فوق الأطلال، فقد أصبحت “عين ميكة” و”زيادة الحمق” هما السبب في طرد أولاد البلاد نحو الخارج!