وزير العدل يحاصر الإشاعات بقوانين صارمة.. لكن ماذا وفرتم للصحفي المهني؟
بوجندار______عزالدين/ مدير نشر.
تشديد العقوبات وحده لا يكفي.. هل يعلم “وهبي” أن حجب المعلومة هو رحم الإشاعة؟
متابعة: هيئة___ التحرير.
لا يختلف اثنان ممن يتابعون حركية المشهد التشريعي بالمغرب، على أن المقاربة الجديدة التي يقودها وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، لمحاصرة الجريمة الإلكترونية وتجفيف منابع التضليل الرقمي، تعد خطوة إيجابية، شجاعة، وضرورية لحماية الأمن المجتمعي والسيبراني للمملكة.
إن مأسسة مقتضيات خاصة بالجريمة المعلوماتية وتحديد أركانها المادية والمعنوية، مع تشديد العقوبات في حالات إثارة الفزع أو المساس بالنظام العام، هي إصلاحات “معقولة” وجاءت في وقتها لتضع حداً للفوضى العارمة التي يعيشها الفضاء الرقمي. لكن، وبالموازاة مع هذه الترسانة الزجرية الصارمة، يقفز سؤال حارق وجوهري إلى الواجهة: ألا يعلم “سيدي الوزير المحترم” أن البيئة الحاضنة للإشاعة تولد أولاً من رحم التعتيم وحجب المعطيات عن الصحافة المهنية؟
سيدي الوزير المحترم، الواقع المهني المرير يؤكد أن الهيئات والمؤسسات الرسمية، وفي كثير من الأحيان الوزارات نفسها، تضرب طوقاً من السرية والتكتم على الأخبار والبيانات المستجدة. وأمام هذا “البلوكاج” الممنهج وضيق قنوات التواصل الرسمية، يجد الصحفي المهني—الملتزم بالقانون والضوابط الأخلاقية—نفسه مجرداً من سلاحه الأساسي وهو “المعلومة الموثوقة”.
هذا الفراغ القاتل لا يظل فارغاً؛ بل تستغله الصفحات المجهولة والحسابات الوهمية لملئه بأخبار مفبركة وقصاصات زائفة تثير الفزع وتغالط الرأي العام. فالإشاعة تنمو وتترعرع وتزدهر فقط عندما تغيب الحقيقة الرسمية وتتأخر المكاتب التواصلية في الخروج ببيانات توضيحية عاجلة.
نعم، لقد أبدعت وزارة العدل في صياغة نصوص التضييق والتشديد والتجريم، وانخرطت المملكة بنجاح في اتفاقيات دولية كـ”اتفاقية بودابست” لملاحقة مروجي الأكاذيب خارج الحدود. لكن سيدي الوزير المحترم: ماذا وفرتم للصحفي المهني والمؤسسات الإعلامية القانونية لتقوم بدورها كحائط صد أول ضد التضليل؟إن حرمان المقاولات الصحفية الجادة من التدفق السلس للمعلومات، وتحويل حق الوصول إلى المعلومة (الذي يضمنه الدستور) إلى حبر على ورق ومساطر إدارية معقدة، هو إضعاف مباشر للجسم الصحفي الوطني المسؤول، وتعبيد للطريق أمام صناع “البوز” والرداءة لتصدر المشهد.
بناء دولة المؤسسات التي تطمحون إليها سيدي الوزير المحترم، يفرض عليكم الإسراع بتطبيق القانون والضرب بيد من حديد على “الفوضى العارمة” لتلك الصفحات الإخبارية المجهولة التي تشتعل بلا سند قانوني؛ فمن المخجل والمقلق حقاً أن نرى جل السلطات المحلية والأمنية تتعامل مع منصات ريعية غامضة، بل وتمنحها أحياناً “امتياز” السبق والحصرية لنشر الأخبار، في وقت يُحاصر فيه الصحفي المهني الحامل لبطاقة المقاصة ودفتر التحملات القانوني! إن القفزة التشريعية الشاملة التي تقودونها لن تكتمل دون تطهير هذا المشهد؛ فمغرب المؤسسات يبنى بالاعتراف بالشريك المهني المسؤول، وتجفيف منابع عشوائية “المنصات اللقيطة” التي تقتات على الفراغ التواصل الرسمي.
فكيف سيدي الوزير المحترم يستقيم الحديث عن نهضة قفزية ودولة المؤسسات يا سيدي وزير العدل، والواقع الميداني يثبت أن “المنصات الوهمية” والصفحات المجهولة التي تشتغل خارج القانون تحظى أحياناً بالدلال وتدفق المعلومات من طرف بعض رجال السلطة والمصالح الأمنية؟ هذا التناقض الصارخ يسائل نجاعة ترسانتكم الزجرية؛ فقبل تعبئة المحاكم وتوقيع العقوبات، يتوجب على وزارتكم الإسراع بقطع حبل الوريد عن هذه الكيانات العشوائية التي تنبت كالفطر، وفرض احترام الصحافة المهنية المقننة كقناة وحيدة وموثوقة لمخاطبة الرأي العام الوطني.