“تغفل طارت عينك!”

0 13

متابعة: أمال_______لقرافي.

 

إذا أردت أن ترى وجه المغرب المشرق والنقي، فما عليك إلا أن تزور مراكز التبرع بالدم خلال الحملات الوطنية؛ هناك، تجد طوابير المواطنين تصطف بكل عفوية، من شباب ورجال ونساء ومتقاعدين، وفي مقدمتهم جماهير نادي الرجاء الرياضي التي أثبتت مراراً أن وعيها وتضامنها يتجاوز مدرجات “المكانة” ليرسم أجمل صور المواطنة. أناس يُقدمون أعز ما يملكون، يمدون أذرعهم بسخاء لإنقاذ أرواح لا يعرفونها، ودون أن ينتظروا جزاءً ولا شكوراً. لكن، بمجرد أن تنتهي الحملة وتُطوى الخيام، يجد المواطن نفسه في مواجهة واقع آخر ينطبق عليه المثل القائل: “تغفل طارت عينك!”؛ حيث يتحول الفعل الإنساني النبيل إلى رحلة بحث مضنية وأسئلة تُعكر صفو هذا التضامن. وبصريح العبارة و”بالدارجة المغربية” القحة، يتساءل الناس: “إحنا كنتبرعو من القلب، ولكن ملي كيحتاج شي واحد من العائلة كنلقاو راسنا كنقلبو على كيس الدم من سبيطار لسبيطار.. علاش؟”.

 

فالقانون المغربي واضح وصريح، ينص على أن التبرع بالدم عمل تطوعي ومجاني، والدم لا يُباع ولا يُشترى؛ غير أن الواقع الميداني يصدم العائلات بحقيقة أخرى، فعندما يحتاج مريضٌ كيس دم داخل بعض المصحات والمؤسسات الصحية، يُطالب بأداء مبالغ مالية تحت مسمى “تكاليف المعالجة المخبرية، واستخلاص المكونات، والتخزين، والتأمين الصحي للكيس”. وعلمياً وإدارياً، هذه العمليات لها كلفة فعلية لضمان سلامة الدم من الأمراض، لكن غياب التواصل الشفاف والواضح من طرف القائمين على القطاع يجعل المواطن يشعر بالمرارة، ويعتقد أنه يؤدي ثمن “مادة” تبرع بها أخوه المواطن مجاناً! والأدهى من ذلك، أنه ورغم هذه الحملات الكبرى، نجد أنفسنا في كل صيف أمام أزمة ندرة حادة ونداءات استغاثة لتغطية العجز في بعض الفصائل، مما يفتح الباب واسعاً للتساؤل حول كيفية تدبير هذا المخزون الوطني وتوزيعه بين الجهات والمستشفيات والمصحات الخاصة.

 

إن التبرع بالدم ليس مجرد استجابة لموجات عاطفية أو التقاط صور تذكارية، بل هو عقد ثقة متين بين المواطن والمؤسسات الصحية. وإذا أردنا أن نحافظ على هذه الروح التضامنية العالية لدى المغاربة، فالأمر يقتضي الشفافية المطلقة في توضيح كيفية تحديد الفواتير التي تُفرض على أسر المرضى بأسلوب بسيط يفهمه الجميع، مع اعتماد حكامة رقمية موحدة لتتبع أكياس الدم من ذراع المتبرع إلى جسد المريض لمنع أي انقطاع أو سوء توزيع، فضلاً عن جعل التغطية الصحية الشاملة تتحمل كافة مصاريف المعالجة والتخزين حتى لا يجد المريض نفسه مضطراً لدفـع ثمن “قطرة الحياة”.

 

ونصيحة “خفيفة ظريفة” لمدبري هذا الملف الحساس: سخاء المغاربة كنز لا يفنى، ورصيد الثقة هو المحرك الحقيقي للتضامن الوطني؛ فلا تجعلوا سوء التواصل والضبابية الإدارية يُحسسان المتبرع بأن سخاءه يُهدر، ولا تتركوا المريض يكتوي بنار البحث عن قطرة دم في لحظة حارجة… راه الرجا فالله، والشفافية هي ساس الثقة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.