تسلطانت تغرق.. وصفقة المليار و400 مليون تثير الجدل.

0 9

متابعة : بوجندار________عزالدين.

المقال التاسع والتسعون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: تسلطانت تغرق في الأزبال.. فهل تتحول صفقة الـ1.4 مليار إلى امتحان للحكامة؟

 

صفقة جديدة لتدبير النفايات تفتح ملفات الصفقات السابقة.. وأسئلة حول المال العام وجودة الخدمات في الوقت الذي تستمر فيه مشاهد تراكم النفايات وانتشار الأزبال بعدد من المناطق التابعة لجماعة تسلطانت، اختار المجلس الجماعي أن يعلن عن طلب عروض جديد لتدبير قطاع النظافة، بميزانية تناهز ملياراً وأربعمائة مليون سنتيم، وهو رقم مالي كبير أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل الجماعة: كيف يتم تدبير قطاع النظافة؟ وكم كلفت الحلول السابقة ميزانية الجماعة؟ ولماذا لم تنجح في وضع حد للأزمة؟

المفارقة الصارخة أن الإعلان عن الصفقة الجديدة يأتي في الوقت الذي ما تزال فيه الساكنة تعاني من مظاهر انتشار النفايات، وكأن الجماعة تعيش المفارقة نفسها: ميزانيات ترصد للنظافة، وصفقات تتوالى، لكن الأزبال تعود إلى الشوارع والأحياء.

فهل يتعلق الأمر بأزمة إمكانيات؟ أم بأزمة تدبير وحكامة؟

من صفقة 2017 إلى أزمة السنوات الأخيرة تعود جذور الإشكال إلى سنة 2017، عندما أبرم المجلس الجماعي السابق صفقة لتدبير قطاع النفايات.

وبعد انتهاء تلك الصفقة، دخلت جماعة تسلطانت، بحسب معطيات متداولة لدى متتبعي الشأن المحلي، مرحلة من الارتباك في تدبير هذا المرفق، خصوصاً خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث تعاقبت حلول وتدابير مؤقتة لم تتمكن من إنهاء أزمة النظافة بشكل نهائي.

المجلس الجماعي الحالي لجأ بدوره إلى صفقات تفاوضية لتأمين استمرار الخدمة، وهي التدابير التي أثارت بدورها نقاشاً حول كلفتها المالية ومدى نجاعتها.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: كم أنفقت جماعة تسلطانت على الصفقات التفاوضية خلال هذه الفترة؟ وما هي الحصيلة الفعلية لهذه النفقات على أرض الواقع؟

فالمواطن لا يعنيه فقط أن تكون خدمة جمع النفايات متوفرة على الورق، وإنما يريد أن يعرف لماذا يدفع المال العام مقابل خدمة لا تزال، في مناطق مختلفة، تعرف اختلالات واضحة.

طلبات عروض سابقة ورفض من وزارة الداخلية.. ماذا حدث؟

الأكثر إثارة في هذا الملف أن طلبات عروض سابقة مرتبطة بتدبير قطاع النظافة لم تكتمل، بعدما تم رفضها من طرف وزارة الداخلية، وفق المعطيات التي يتداولها متابعون للشأن المحلي، عقب تسجيل مجموعة من الملاحظات والاختلالات.

وهنا لا يتعلق الأمر بتفصيل إداري عابر.

فإذا كانت الجهة الوصية قد سجلت اختلالات استدعت رفض طلبات عروض سابقة، فإن الرأي العام المحلي من حقه أن يعرف: ما طبيعة هذه الاختلالات؟ هل تمت معالجتها في الصيغة الجديدة؟ ومن يتحمل مسؤولية الإعداد السابق للصفقات؟ وهل تمت مراجعة دفتر التحملات بما يضمن تفادي الملاحظات التي أدت إلى الرفض؟ أسئلة مشروعة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمرفق أساسي وبأموال عمومية كبيرة.

1.4 مليار سنتيم.. لماذا تضاعفت الكلفة؟

لكن السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم يرتبط بقيمة الصفقة الجديدة.

فوفق المعطيات المتداولة، تصل القيمة المرصودة لتدبير قطاع النفايات إلى أكثر من مليار وأربعمائة مليون سنتيم.

وهو مبلغ يثير استغراب عدد من المتابعين والفعاليات المحلية، خصوصاً إذا ما تمت مقارنته بقيمة الصفقة السابقة، باعتبار أن الكلفة الجديدة تقترب من ضعفها.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي تغير حتى ترتفع فاتورة النظافة إلى هذا المستوى؟ هل ارتفع عدد السكان؟ هل توسعت المساحة الترابية التي ستشملها الخدمة؟ هل تمت إضافة آليات ومعدات جديدة؟ هل ارتفعت ساعات العمل وعدد العمال؟ هل أصبح دفتر التحملات أكثر صرامة ويتضمن خدمات إضافية؟ أم أن ارتفاع قيمة الصفقة يحتاج إلى تفسير مالي وتقني أكثر وضوحاً أمام الرأي العام؟

فليس المطلوب التشكيك في الصفقة أو في المتنافسين، وإنما تفسير الفارق الكبير في الكلفة وربطه بحاجيات الجماعة ومردودية الخدمة المنتظرة.

المعادلة الغريبة: نفقات أكبر.. وأزبال أكثر؟

المشكلة الحقيقية لا تكمن في إنفاق المال على النظافة، بل في إنفاقه دون تحقيق النتيجة المطلوبة.

فإذا كانت الجماعة ستخصص أكثر من مليار وأربعمائة مليون سنتيم لهذا القطاع، فمن الطبيعي أن ينتظر المواطن خدمة نظافة توازي هذا الحجم من الإنفاق.

لكن استمرار ظهور النفايات في عدد من المناطق بالتزامن مع الإعلان عن الصفقة الجديدة يفرض طرح سؤال جوهري:

هل أصبحت أزمة النظافة في تسلطانت أزمة مالية، أم أزمة حكامة وتدبير ومراقبة؟

فحتى أكبر الصفقات لن تحل المشكلة إذا غابت المراقبة اليومية، ولم يتم احترام دفتر التحملات، ولم تكن هناك آليات دقيقة لقياس أداء الشركة المكلفة بالخدمة.

من يراقب؟ ومن يحاسب؟

الصفقة الجديدة ينبغي ألا تكون مجرد عقد بين الجماعة والشركة المفوض لها تدبير القطاع.

بل يجب أن تكون، وفق منطق الحكامة الجيدة، منظومة متكاملة للمراقبة والتقييم.

من يراقب عدد الشاحنات التي تشتغل فعلياً؟ من يتأكد من احترام مسارات جمع النفايات؟ من يراقب عدد العمال؟ من يتحقق من جودة المعدات وصيانتها؟ من يرصد النقاط السوداء؟

ومن يحرر محاضر المخالفات عند عدم احترام الالتزامات؟

والأهم:

هل توجد آلية واضحة لربط الأداء المالي للشركة بمستوى الخدمة المقدمة فعلياً؟

هذه الأسئلة لا تستهدف جهة بعينها، وإنما تتعلق بمبدأ أساسي: كل درهم من المال العام يجب أن يقابله أثر واضح في الخدمة العمومية.

فعاليات محلية تطالب بترشيد النفقات

وفي ظل الوضع الحالي، بدأت أصوات من داخل المنطقة تطالب المجلس الجماعي بضرورة ترشيد النفقات، وعدم استنزاف ميزانية الجماعة في تدابير لا تنعكس بشكل مباشر على تحسين الخدمات الأساسية.

وتعتبر هذه الفعاليات أن قطاع النظافة يجب أن يكون في مقدمة القطاعات التي تستفيد من ميزانية الجماعة، لكن بشرط أساسي:

أن تكون النتيجة واضحة للساكنة.

فالترشيد لا يعني بالضرورة تقليص الإنفاق، وإنما يعني إنفاق المال العام في المكان الصحيح، وبالكلفة المناسبة، مقابل خدمة ذات جودة.

الصفقة الجديدة أمام اختبار الرأي العام

اليوم، وبعد الإعلان عن الصفقة الجديدة، لم يعد أمام المجلس الجماعي سوى تقديم أجوبة واضحة للرأي العام المحلي.

فحجم الاعتمادات المرصودة يجعل الصفقة تحت المجهر، ليس فقط من طرف المعارضة أو الفعاليات المدنية، وإنما من طرف كل مواطن يريد أن يعرف أين تذهب أموال جماعته.

والساكنة من حقها أن تعرف تفاصيل الصفقة، ودفتر التحملات، ومعايير اختيار الشركة، وعدد الآليات والعمال، ومناطق التدخل، ومؤشرات الأداء، والعقوبات المترتبة عن عدم احترام الالتزامات.

كما أن من حق الرأي العام أن يعرف الحصيلة المالية والتقنية للمرحلة السابقة، خصوصاً ما يتعلق بالصفقات التفاوضية التي تم اللجوء إليها خلال السنوات الأخيرة.

السؤال الذي لا يمكن الهروب منه في النهاية، لا تحتاج تسلطانت إلى مزيد من الشعارات حول النظافة، بل تحتاج إلى خدمة نظافة حقيقية ومنتظمة وفعالة.

ولا تحتاج الجماعة فقط إلى رفع قيمة الصفقة، بل تحتاج إلى إثبات أن كل زيادة في الإنفاق ستقابلها زيادة في جودة الخدمة.

ومن هنا يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً:

إذا كانت تسلطانت ستنفق أكثر من 1.4 مليار سنتيم على تدبير النفايات، فلماذا ما تزال الساكنة ترى الأزبال في شوارعها وأحيائها؟

السؤال ليس اتهاماً لأحد، لكنه حق مشروع للرأي العام في مساءلة طريقة تدبير المال العام.

وإذا كانت الصفقة الجديدة ستضع حداً نهائياً لأزمة النظافة، فستكون خطوة إيجابية تستحق التنويه.

أما إذا استمرت مظاهر تراكم النفايات رغم ارتفاع الاعتمادات المالية، فإن الملف لن يعود مجرد قضية نظافة، بل سيصبح قضية حكامة وتدبير ومردودية للإنفاق العمومي.

وهنا سيكون من حق ساكنة تسلطانت أن تسأل بكل وضوح:

أين تذهب أموال النظافة؟ ولماذا لا تظهر نتائجها في الشارع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.