لماذا ينفرد الجسم الصحفي بـ”الوصاية القضائية والحقوقية” داخل بيته؟

0 23

متابعة:  بوجندار________ عزالدين.

“انتخابات بلا جدوى”!

 

تنفرد مهنة الصحافة والمتاعب، دون غيرها من القطاعات المنظمة، بوضعية غريبة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مفهوم “التنظيم الذاتي”. فبينما تقود القطاعات المهنية الأخرى (كالمحاماة، والطب، والتوثيق) هياكلها ومنظماتها عبر ممثلين يخرجون حصراً من رحم المهنة وعبر صناديق اقتراع ديمقراطية ومباشرة، يجد الجسم الصحفي نفسه محاصراً داخل بيته “المفترض” بتركيبة هجينة تجمع بين القاضي، والمحامي، والحقوقي، وممثلي قطاعات أخرى.

 

هذا التعدد، الذي يُسوق له تارة تحت مسمى “التكامل” وتارة أخرى تحت شعار “الإنصاف”، يطرح إشكالاً جوهرياً يتعلق بسيادة أهل المهنة على قطاعهم. إن فلسفة التنظيم الذاتي للمهن تقوم على مبدأ أساسي: “أهل مكة أدرى بشعابها”. وبالتالي، فإن إقحام فاعلين من حقول ومجالات أخرى في بنية صناعة القرار داخل المجلس الوطني للصحافة، يُفقد هذا الإطار رمزيته المستقلة ويحوله من منصة للتنظيم الذاتي إلى أداة لممارسة “وصاية ناعمة” على مهنة هي في الأصل قائمة على الحرية والمسؤولية.

 

وفي ظل هذا التداخل الهيكلي، تظهر الانتخابات المقبلة لاختيار أعضاء المكتب المسير لبعض المهنيين كمجرد “تحصيل حاصل” أو إجراء شكلي لا يغني ولا يسمن من جوع. فالرهان الحقيقي ليس في تغيير الأسماء أو تجديد النخب، بل في مراجعة الجدوى من عملية انتخابية تُسفر عن مكاتب تضم أسماء لا صلة لها بالمعاناة اليومية للصحفي المهني في الميدان، ولا بتحديات المقاولة الصحفية والناشرين الذين يواجهون لوحدهم إكراهات البقاء الرقمي والاقتصادي.

 

إن المطالبة بمجلس وطني يمثل الصحفيين والناشرين فقط، وعبر تصويت ديمقراطي مباشر وخالص، ليست ترفاً فكرياً أو نزعة فئوية، بل هي تصحيح لمسار تنظيمي انحرف عن سكته الصحيحة. لا يمكن الحديث عن استقلالية السلطة الرابعة في وقت يُدار فيه بيتها الداخلي بعقول وهياكل مستعارة من سلطات وقطاعات أخرى. لقد حان الوقت لرفع اليد عن جسد الصحافة، وترك الصناديق المهنية الخالصة تقول كلمتها، حتى يستعيد الصحفيون ثقتهم في مؤسساتهم، وتستعيد المهنة هيبتها المفقودة.

 

 

إن الاستمرار في تغليب منطق الوصاية الهجينة على قطاع الإعلام لن يؤدي إلا إلى مزيد من الركود والنفور المهني. لقد حان الوقت لرفع اليد عن “صاحبة الجلالة”، والكف عن التعامل مع “مهنة المتاعب” كمجال يحتاج إلى توجيه خارجي أو حراسة نظرية. إن “السلطة الرابعة” لا يمكن أن تستقيم بـ”عكازات” من قطاعات أخرى، فأهل مكة أدرى بشعابها”، وأهل الصحافة هم الأقدر على ترتيب بيتهم الداخلي، وتنظيم مهنتهم، وفرز نخبتهم عبر صناديق ديمقراطية مهنية خالصة ونزيهة، تعيد للمهنة هيبتها وللصحفي كرامته وسلطته الاعتبارية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.