صاحبة الجلالة في الميزان: بين نبل الرسالة وبؤس “البوز”

0 16

متابعة: بوجندار_____ عزالدين.

السلطة الرابعة.. هل تاهت في فخ الإثارة؟

 

يُؤثر في الموروث الحكيم القول البليغ: “عاش من عرف قدر نفسه”؛ وهي قاعدة ذهبية لا تتوقف عند حدود السلوك الفردي، بل تمتد لتشكل الدعامة الأساسية التي تُبنى عليها مصداقية المؤسسات.

وفي محراب صاحبة الجلالة (السلطة الرابعة) تكتسب هذه الحكمة أبعاداً أكثر عمقاً وجدية؛ فالصحافة الحقيقية والمسؤولة هي التي تعي “قدرها” ونبل رسالتها، وتدرك أن سلطتها المعنوية لا تُستمد من الإثارة الجوفاء أو تصفية الحسابات، بل من انتصارها الدائم للحقيقة، وقضايا المجتمع، وحق الإنسان في العيش الكريم داخل بيئة سليمة وصحية.من هذا المنطلق المهني الصِرف، وفي سياق متابعتنا للملفات البيئية، الاجتماعية، السياسية، الاقتصادية، التربوية، والفنية الحارقة المرتبطة بالإنسان، نفتح هذا المقال الاستقصائي لنؤكد على الدور الدستوري والأخلاقي للإعلام كعين ساهرة لحماية المنظومة المجتمعية، وفي نفس الوقت كمنصة عادلة تلتزم بالوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف.

 

إن رهان المصداقية اليوم يفرض على الإعلام الاستقصائي النزول إلى عمق الواقع، والابتعاد عن “السبق الزائف” الذي يفتقر للمظهر والجوهر:

● البحث في الجذور: تفكيك الأزمات (كالخروقات البيئية أو الاختلالات التدبيرية) من منطلق علمي وقانوني موثق، بعيداً عن السطحية.

● المواجهة بالحقائق: مجابهة المسؤولين بالقرائن والأرقام والدلائل المقنعة، وليس بالشائعات أو الأحكام المسبقة.

● احترام المتلقي: تقديم مادة إعلامية تحترم ذكاء القارئ وتمنحه وعياً حقيقياً بالملفات الحارقة التي تمس معيشه اليومي.

 

الصحافة الحقة لا تنصب المشانق، بل تضيء عتمة الوقائع لتنوير الرأي العام وصناع القرار:

● التعددية في الطرح: الاستماع لجميع أطراف القضية (المتضرر، المسؤول، الخبير، والمؤسسة الوصية) دون إقصاء أو انحياز.

● الحق في الرد: كفالة حق التعقيب والتوضيح لكل من ورد اسمه في سياق التحقيقات، تكريساً لمبدأ العدالة الإعلامية.

● الموضوعية الصارمة: فصل الموقف الشخصي للإعلامي عن مجريات التحقيق الاستقصائي، لضمان مخرجات نزيهة لا تقبل الطعن.

 

تتجاوز الرسالة الإعلامية مجرد رصد الاختلالات لتتحول إلى قوة اقتراحية تسهم في البناء:

● حماية الحقوق الأساسية: الترافع المستمر عن حق المواطن في بيئة سليمة، تعليم ذي جودة، واقتصاد عادل يحفظ كرامته.ربط المسؤولية بالمحاسبة:

● ممارسة الرقابة المواطنة التي تحمي المال العام وتدعم أسس الحكامة الجيدة في تدبير الشأن المحلي والوطني.

● صناعة الوعي: الارتقاء بالذوق العام عبر تتبع الحركية الثقافية والفنية، وتوجيه النقاش المجتمعي نحو القضايا المصيرية.

إن معرفة الصحافة لـ “قدر نفسها” هي الحصن المنيع الذي يحميها من التميع والانجراف وراء منطق “اللايكات” العابر. وعندما تلتزم السلطة الرابعة بنبل رسالتها الدستورية والأخلاقية، فإنها لا تخدم الحقيقة فحسب، بل تصبح شريكاً أساسياً في صناعة التغيير الإيجابي وحماية تماسك المجتمع وأمنه البيئي والاجتماعي.

 

ختاماً، إن الرهان الحقيقي الذي يواجهنا اليوم ليس في سرعة نشر الخبر، بل في مدى صدقه ونزاهته. ومن هذا المنبر، نتوجه بدعوة صادقة وخالصة إلى كافة الزملاء والزميلات في الحقل الإعلامي: إن قوتنا الحقيقية تكمن في الحياد الصارم، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع، والالتزام الأعمى بقواعد المهنية والأخلاق التي أسس لها جيل الرواد. فلنكن دائماً حراساً للحقيقة لا صناعاً للإثارة، ولنجعل من أقلامنا ومنابرنا حصناً يذود عن قضايا المجتمع وينتصر للإنسان، فالتاريخ لا يذكر الإشاعة العابرة، بل يخلّد الكلمة الصادقة والمسؤولة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.