العنف الأسري بالمغرب.. هل للرجل نصيب من الإنصاف؟

0 9

بقلم: بوجندار_______ عزالدين.

المقال التاني والأربعون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان:  الحيف الزوجي.. حين لا يجد الرجل من يسمع شكواه.

 

خلّينا من لغة الخشب، ولنضع الأصبع على الجرح. فخلف الأبواب المغلقة، وداخل بعض البيوت المغربية، توجد معاناة لا تجد طريقها إلى النقاش العمومي بالقدر الكافي. إنها معاناة رجال يشعرون بأنهم يعيشون الحيف والغبن، وأن كرامتهم أصبحت موضوعاً للتجاذب داخل العلاقة الزوجية، بينما يختار كثيرون الصمت خوفاً من الفضيحة أو من نظرة المجتمع.

لسنا هنا بصدد إنكار العنف الذي تتعرض له النساء، ولا التقليل من خطورته أو التشكيك في معاناة ضحاياه. فالعنف ضد المرأة واقع يستوجب المواجهة والحماية والمساءلة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يعني الاعتراف بمعاناة المرأة أن نتجاهل معاناة الرجل؟ وهل أصبحت مظلومية أحد الطرفين مبرراً لإسكات الطرف الآخر؟

في بعض الخطابات الاجتماعية، يبدو الرجل وكأنه مطالب دائماً بتقديم التبريرات، بينما تُستقبل شكواه بالتشكيك أو السخرية. إذا اشتكى من الإهانة، قيل له تحمّل. وإذا تحدث عن الضغط النفسي، طُلب منه أن يكون قوياً. وإذا كشف عن خلافات زوجية مؤلمة، فقد يجد نفسه أمام أحكام جاهزة تختزل الحكاية في صورة الرجل الظالم والمرأة المظلومة.

 

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: ليس في الدفاع عن المرأة، بل في تحويل الدفاع عنها إلى موقف مسبق يمنع الاستماع إلى الرجل، قبل معرفة الوقائع وفحص الأدلة وسماع الطرفين.

إن بعض الرجال قد يتعرضون للإهانة المتكررة، أو للتهديد، أو للضغط النفسي، أو للاستغلال المالي، أو لمحاولات التحكم في قراراتهم وعلاقاتهم الاجتماعية. وقد يجد أحدهم نفسه محاصراً بين الحفاظ على صورته أمام المجتمع وبين الاعتراف بأنه يعيش علاقة تستنزف كرامته وسلامه النفسي.

هذه صور من المعاناة تستحق البحث والتوثيق، لا التهويل ولا التجاهل. فليس كل خلاف زوجي عنفاً، وليس كل اتهام دليلاً على الإدانة، كما أن جنس الشخص لا يمنحه حصانة أخلاقية أو قانونية.

المشكلة ليست في المرأة باعتبارها امرأة، ولا في الرجل باعتباره رجلاً. المشكلة في كل سلوك يحوّل مؤسسة الزواج من فضاء للمودة والاحترام إلى ساحة للصراع وفرض السيطرة.

فحين تُستعمل الإهانة وسيلةً لإخضاع الشريك، أو يُستغل الخلاف الزوجي للضغط والانتقام، أو يُهدَّد أحد الطرفين باستمرار لتقييد حريته، فإن الأمر يستحق التوقف عنده بجدية، أياً كان مرتكبه.

 

لكننا نحتاج أيضاً إلى الحذر من التعميم؛ فلا يجوز اتهام النساء جميعاً باستغلال الرجال، مثلما لا يجوز تصوير الرجال جميعاً باعتبارهم معتدين. الأحكام الجماعية لا تنصف أحداً، بل تعمّق الصراع وتبعدنا عن فهم الوقائع ومعالجة أسبابها.

العدل ليس أن نمنح الرجل امتيازاً على المرأة، ولا أن نمنح المرأة امتيازاً على الرجل؛ العدل هو أن تكون الكرامة الإنسانية واحدة، وأن تُطبَّق المعايير نفسها على الجميع.

إذا كنا نريد فعلاً معالجة ظاهرة العنف الأسري في المغرب، فعلينا تجاوز الخطابات التي تكتفي بتقسيم المجتمع إلى ظالم ومظلوم وفقاً للجنس. المطلوب هو نقاش مسؤول يستمع إلى النساء والرجال، ويبحث في أشكال العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي، ويهتم بالأطفال الذين قد يجدون أنفسهم ضحايا مباشرة أو غير مباشرة للنزاعات الأسرية.

 

كما ينبغي تشجيع الدراسات الميدانية الجادة، وتوفير قنوات آمنة للتبليغ والاستماع، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لكل متضرر، مع ضمان قرينة البراءة وحق الدفاع واحترام المساطر القانونية.

فالرجل الذي يتعرض للعنف لا ينبغي أن يخجل من طلب المساعدة، والمرأة التي تتعرض للعنف لا ينبغي أن تخاف من التبليغ. لا أحد مطالب بتحمل الأذى لإرضاء المجتمع أو الحفاظ على صورة الأسرة أمام الآخرين.

إن أخطر ما يمكن أن يقع داخل مؤسسة الزواج هو أن يتحول الصمت إلى قاعدة، وأن تصبح المعاناة مسابقةً لإثبات من يستحق التعاطف أكثر من الآخر.

نحن لا نبحث عن معركة بين الرجل والمرأة، ولا نريد استبدال خطاب منحاز بخطاب منحاز آخر. ما نريده هو كسر ثقافة الكيل بمكيالين، وفتح النقاش حول كل أشكال الحيف التي قد يعيشها أحد الزوجين، دون أحكام مسبقة أو اتهامات جماعية.

 

فكما أن المرأة ليست مطالبة بإثبات أنها تستحق الحماية، فإن الرجل ليس مطالباً بإخفاء ألمه حتى لا يُتَّهم بالضعف أو يُسخر من شكواه.

الزواج ميثاق مسؤولية متبادلة، وليس ساحة لتصفية الحسابات. والكرامة لا تُمنح على أساس الجنس، والعدالة لا تكتمل إلا حين نستمع إلى الجميع، ونحاسب على الأفعال لا على الصور النمطية.

 

ومن قاع الخابية، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المجتمع والباحثين والفاعلين الحقوقيين: هل نملك الشجاعة الكافية للاستماع إلى المعاناة الأسرية بكل وجوهها، أم سنظل نسمع صوتاً واحداً ونترك أصواتاً أخرى حبيسة الصمت؟

من قاع الخابية.. مقالات صحفية بقلم: بوجندار عزالدين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.