مستشفيات مراكش العقلية خارج الخدمة.. من يحمي المواطنين من الاعتداءات

0 11

بوجندار_____عزالدين / مدير نشر

المقال السادس والثمانون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: البيوت المراكشية تحت التهديد.. أسر تكبل أبناءها بالسلاسل بسبب غياب المستشفيات!

 

تعيش عاصمة النخيل، مراكش، على وقع أزمة صامتة لكنها متفجرة، عنوانها الأبرز الانتشار المخيف للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية حادة في الشوارع والأزقة. هذه الظاهرة، التي تغذيها بشكل مرعب آفة المخدرات القوية والمؤثرات العقلية الجديدة (القرقوبي، البوفا، وغيرها)، تحولت من مجرد حالة إنسانية تستدعي الشفقة إلى قنبلة موقوتة تهدد الأمن العام وسلامة المواطنين والسياح على حد سواء.

 

ولم يعد الأمر يقتصر على حالات معزولة، بل سجلت المدينة في الآونة الأخيرة أرقاماً وحوادث صادمة، راح ضحيتها مواطنون تائهون أو مارّة تعرضوا لتعنيف وحشي مفاجئ، ووصلت في بعض الحالات إلى القتل العمد والتشويه الجسدي من طرف أشخاص يعيشون حالة جموح عقلي تام بسبب “الجرعات الزائدة” أو غياب المتابعة الطبية. هذا الوضع بات يسائل بشكل مباشر دقة المقاربة الأمنية والاجتماعية المعتمدة، ويسحب البساط من تحت طمأنينة الساكنة.

 

خلف كل “مختل” يجوب شوارع مراكش، توجد مأساة عائلية حارقة. فالأسر المغربية بمراكش تجد نفسها وحيدة في مواجهة أبناء تحولوا بفعل الإدمان والمخدرات السامة إلى “قنابل موقوتة” داخل المنازل. تعاني الأسر من العنف المنزلي، التهديد بالتصفية، والاضطرار أحياناً إلى تكبيل أبنائهم بسلاسل حديدية خوفاً من بطشهم، في ظل عجز مادي وتام عن توفير مصاريف المصحات الخاصة التي تطبق أسعاراً خيالية.

 

السبب الرئيسي لتفاقم هذه الكارثة الإنسانية يعود بالأساس إلى غياب وضعف بنيات الاستقبال والمستشفيات المتخصصة في الأمراض العقلية والنفسية بالجهة. فمستشفى ابن النفيس للأمراض العقلية يعاني منذ سنوات من الاكتظاظ الشديد، ونقص حاد في الأسرّة والأطقم الطبية وشبه الطبية، فضلاً عن ضعف الإمكانيات المخصصة لعلاج الإدمان (مراكز طب الإدمان). هذا الوضع يدفع بالمؤسسات الصحية إلى نهج سياسة “الباب الدوار”، حيث يتم استقبال المريض لبضعة أيام فقط ثم إخراجه للشارع قبل تماثله للشفاء، ليعود إلى نقطة الصفر.

هذا التدهور الخطير يضع وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، السلطات المحلية، والمجالس المنتخبة بمراكش أمام مسؤولية تاريخية وقانونية. فالإكتفاء بالحملات الموسمية لجمع هؤلاء الأشخاص وإيداعهم دور الرعاية المؤقتة أو “تصديرهم” نحو مدن أخرى، لم يعد حلاً يجدي نفعاً.إن الشارع المراكشي يطالب اليوم باستراتيجية استعجالية تتضمن:

1▪︎ إحداث مستشفى جهوي حديث وجديد خاص بالأمراض النفسية والعقلية بطاقة استيعابية كافية.

2▪︎ تعزيز مراكز علاج الإدمان لمواجهة مخلفات المخدرات السامة التي تدمر عقول الشباب.

3▪︎ تفعيل المقتضيات القانونية المتعلقة بالوضع التلقائي للمرضى الذين يشكلون خطراً على أنفسهم وعلى الغير.

إلى أن تتحرك الجهات الوصية، تظل شوارع مراكش ومنازل عائلات المرضى ساحة مفتوحة على كل الاحتمالات، في انتظار حلول جذرية تنهي أنين الأسر وتُعيد للمدينة سكينتها المفقودة.

 

تأسيسًا على ما سلف، وأمام هذا الوضع الكارثي، لا يمكننا إلا أن نوجّه الخطاب والملامة مباشرة إلى المسؤول الأول عن قطاع الصحة والحماية الاجتماعية في بلادنا بالقول: “آسي المسؤول، أنت في غياب تام، بينما الشارع المراكشي يغلي تحت وطأة الإهمال!”.

من الإجحاف والظلم إنكار الجهود المضنية التي تبذلها الأجهزة الأمنية والسلطات المحلية بمراكش؛ فهم في تحرك يومي مستمر، يطاردون الخطر، ويوجهون وينقلون الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات عقلية ونفسية حادة لحماية الأمن العام. لكن هذه الجهود الأمنية والمحلية تصطدم دائمًا بجدار الواقع الطبي المر، وبعبارات مستفزة تتردد داخل أسوار المؤسسات الاستشفائية من قبيل: “هذا المريض ليس من اختصاصنا” أو “ليس لدينا سرير فارغ بسبب الاكتظاظ”. وحتى في الحالات النادرة التي يتم فيها قبول المريض، لا تمر 24 ساعة حتى يُفاجأ الجميع بتسريحه وإلقائه من جديد إلى رصيف الشارع، في غياب تام للمتابعة والمراقبة الطبية، وبسبب الفوضى العارمة التي تتخبط فيها هذه المؤسسات.إن ضحية هذا العبث والاستهتار ليس المسؤول القابع في مكتبه المكيف، بل هو ذلك الطفل البريء الذاهب إلى مدرسته، وتلك المرأة التي تتبضع في أمان الله، وذلك الشاب الطامح في غده؛ مواطنون عزل يسيرون في طريقهم، ليتفاجأوا فجأة بهجوم وحشي دامي من طرف شخص مسلوب العقل والإرادة.أمام هذه الدائرة المفرغة من المعاناة والدماء، لم يعد هناك مجال للاختباء وراء المبررات الواهية.

إذن، مَن يتحمل المسؤولية؟ الجواب واضح ولا يقبل التأويل: الحكومة المغربية والوزارة الوصية على القطاع هما المسؤولان المباشران عن هذا الفراغ الطبي والاضطراب الاجتماعي. إن استمرار هذا التراخي لم يعد مجرد تقصير إداري، بل هو تشجيع غير مباشر على الفوضى وتهديد صريح للحق في الحياة والأمن الجسدي للمواطنين بمدينة مراكش. لقد دقت ساعة المحاسبة، فهل من مستمع؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.