الأحزاب السياسية ورهان تجديد النخب.. خمسة أسئلة لأستاذ العلوم السياسية عبد العزيز قراقي

0

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي يتجدد النقاش حول مسألة تجديد النخب داخل الأحزاب السياسية، ويُثار كثير من الأسئلة عما إذا كانت الهيئات الحزبية جادة بالفعل في تجديد نخبها أم أن الأولوية تعطى للصوت الانتخابي خلال الاستحقاقات الانتخابية بدل تقديم وجوه ونخب جديدة.

في الحوار التالي، يقيّم أستاذ العلوم السياسية بكلية الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط، عبد العزيز قراقي، مدى جدية الأحزاب في تجديد نخبها، ويقدم تصوره لعملية التجديد هذه، ومدى قدرة الشباب على حمل المشعل، ويعرض وجهة نظره في ما يتعين القيام به لاستقطاب الشباب والمثقفين لممارسة العمل الحزبي، ومدى تأثير إلغاء لائحة الشباب على مسعى تجديد النخب، وأهم مميزات انتخابات هذه السنة:

1- برأيكم، هل الأحزاب جادة في تجديد نخبها، أم أنها تحرص على إعطاء الأولوية للصوت الانتخابي، وبالتالي تقدم في كل استحقاق انتخابي وجوها وأسماء معروفة بدل وجوه جديدة؟

في توطئة هذا الجواب، نشير إلى أن المغرب بوأ الأحزاب مكانة هامة في هندسة المؤسسات السياسية، حيث خصص لها الفصل السابع من الدستور، الذي أكد على أن الحرية هي الأصل في تأسيس الأحزاب السياسية، وربط شرعية وجودها بضرورة احترام حقوق الإنسان، وفرض ضرورة انسجام تسييرها مع المبادئ الديمقراطية، وحصنها من الشطط والتعسف، حيث جعل الفصل التاسع من الدستور أمر حلها بيد القضاء.

وانسجاما مع ما تقتضيه الديمقراطية، نص الدستور على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب. وإمعانا في الاعتراف بأهميتها، فقد خصها بقانون تنظيمي فصّل الكثير من الأمور المرتبطة بتأسيسها، وتنظيمها، وكيفية تسييرها وأشكال هيكلتها. وقد حرص المشرع في المادة 25 من القانون المذكور على تمكين كل الأعضاء من المشاركة الفعلية في تدبير مختلف أجهزة الحزب، ويستفاد من ذلك أن المشرع كان يتوخى تكوين نخب قادرة على المساهمة في تدبير الشأن العام.

على أن الواقع، للأسف، يحكمه منطق آخر. ذلك أن الأحزاب تفضل عموما من يفوز في الانتخابات وله القدرة على ضمان مقعد انتخابي اعتمادا على اعتبارات قد تتنافى أحيانا حتى مع القيم التي يدعو لها الحزب، ويؤمن بها. فالانتخابات المغربية مرت بمراحل عديدة منذ الاستقلال إلى اليوم ولم تعد الكثير من الأحزاب تولي أهمية للتدرج في النضال داخل الحزب.

لقد كانت جمعيات عديدة مرتبطة بالأحزاب السياسية تنشط في مجال الطفولة والشباب، وكانت هي المشتل الحقيقي المؤهل عموما للشبيبات الحزبية، المؤهلة بدورها للمسؤوليات الحزبية، إن على المستوى الترابي أو المركزي، وكان من الصعب أن ينضم شخص إلى حزب ما بسهولة دون المرور بهذا المسار التكويني الطويل، وحتى وإن تأسست أحزاب أخرى بداية من منتصف السبعينيات، فإن الأحزاب المنبثقة عن الحركة الوطنية بقيت تعتمد هذا الأسلوب في تدبير الانتماء إلى الحزب.

وإذا كانت ظاهرة استقطاب الأعيان إلى السياسة، وبالضبط إلى الانتخابات، قد بقيت محدودة، فإنها ستأخذ في الاتساع مع انتخابات 1976 المحلية وانتخابات 1977 البرلمانية، غير أن مختلف التحولات التي عرفتها الحياة السياسية، منذ سنة 2011، فتحت الباب على مصراعيه أمام الأعيان لولوج عالم الانتخابات، إذ بقدر ما يستطيعون الفوز في الانتخابات وضمان المقعد الانتخابي، إلا أن علاقتهم بالمنظومة الفكرية للحزب تكون ضعيفة، حيث يسود لديهم في الغالب شعور بأن الحزب هو المدين لهم وليس العكس.

وقد سعى المشرع إلى وضع حد للتنقل السياسي عبر ربط ذلك بفقدان المنتقل لمقعده البرلماني، غير أن الكثير من المنتقلين يقومون بذلك في الهزيع الأخير من الولاية التشريعية، مما يجنبهم الخضوع للجزاء.

صحيح أن الأحزاب تقدم في كل انتخابات وجوها جديدة، ولكن الرهان يكون على الأكثر احتمالا وحظا في الفوز بالمقعد الانتخابي، من هنا قد يبدو أن منح الفرصة للشباب أو النساء يبقى بعيد التحقيق. ثم يجب أن نفهم أيضا المنطق الذي يفكر به الحزب. ذلك أن نسبة من التمويل الممنوح لحزب ما تتم بناء على ما يحصل عليه من الأصوات المعبر عنها، ونسبة أخرى بناء على المقاعد التي فاز بها. والحالة هذه، فإن الحزب، إذا ما اختار أن يمنح الفرصة لوجوه جديدة بدون تجربة غير متمرسة بما يحبل به مناخ الانتخابات، قد يجد نفسه في خانة الأحزاب الصغرى التي يكون محكوما عليها بلعب أدوار ثانوية. ولعل التعديلات التي أدخلت على قانون الأحزاب قد تمكنها من موارد مالية، غير تلك التي تُمنح من خزينة الدولة، مما قد يساعدها على المغامرة أكثر، أو على الأقل سيجنبها موجات الغضب التي يتسبب فيها توزيع التزكيات، واختيار من ستمنح له.

2- هل يعني تجديد النخب، في جوهره، إفساح المجال أمام وجوه شابة أم تقديم أسماء ووجوه غير الوجوه القديمة باستطاعتها أن تضخ دماء جديدة في شرايين المكونات السياسية وتقدم أفكارا ومساهمات ملموسة وناجعة للنهوض بالعمل الحزبي، ومواكبة التحولات والديناميات الجديدة التي تعيشها المملكة؟

يبدو أن عملية تجديد النخب دخلت إلى مجال التوظيف السياسي، وأصبحت عنصرا في الخطاب المتداول، ولكن لا أحد يطرح السؤال أو يسعى إلى معرفة كيف تتم. إنها أمر مرتبط بالمجتمع وبثقافته، فالنخبة تكون على وعي تام بالحاجة الماسة إلى التجديد، وتدرك أن عمرها محدود في الزمان، وأنها غير قادرة على مسايرة تطور ملحاحية المجتمع الراغب باستمرار في قيادات تكون قادرة على تقديم رؤى وأفكار جديدة.

فالأمر ليس دائما بالسهولة التي نتصور، ولكن الديمقراطية يسرت الأمر إلى حد ما وجعلت من الانتخابات محطة أساسية تحكم على النخبة بالاستمرار أو بمغادرة حلبة التنافس السياسي، فالقيادة التي تفشل في تمكين الحزب من تصدر الحياة السياسية، تعتبر نفسها مسؤولة عن ذلك فتنسحب في هدوء، تاركة المجال لقوى جديدة تخوض نفس المسار وهكذا دواليك، إذ يتم الاحتكام إلى صناديق الاقتراع باعتباره آلية أساسية تتحكم في تجديد النخب، وتيسر عملية التداول على مراكز القرار داخل المؤسسة الحزبية.

إن أغلب ساكنة المغرب اليوم هي من الشباب، ونسبة كبيرة منه لا تهتم بما يجري في الأحزاب السياسية، وبذلك فهي تبقى بعيدة عن خوض الانتخابات، ومن ثم لا تستفيد البلاد من موارد بشرية ذات كفاءة عالية، وقادرة على تحقيق القيمة المضافة في مجال تدبير الشأن العام. وهذا أمر يبدو لي غير سليم.

على أن ذلك لا يعني إطلاقا أن الشباب لا يهتم بالسياسة، ولكنه يتوجس من الأحزاب السياسية. لقد حقق المغرب تحولات كبيرة على مستويات متعددة، وباتت له مكانة دولية محترمة على مستوى العلاقات الدولية، وبعض ما أُنجز فيه خلال العشرين سنة الأخيرة تجاوز تأثيره المستوى الوطني. فعلى سبيل المثال، أحدث ميناء طنجة المتوسط تحولا نوعيا في الملاحة بالبحر الأبيض المتوسط، وجعل من منطقة طنجة قبلة للمستثمرين من شتى أنحاء العالم. وهذه التحولات الكثيرة في حاجة إلى من يقوم بتسويقها على مستوى العالم، ويبدو لي أن الشباب المغربي، من خلال تفوقه وقدرته على استعمال التكنولوجيات التواصلية الحديثة، قادر على ذلك، يكفي أن يحظى بالثقة وأن تُمنح له الفرص. ولهذا ينبغي التشديد على أن هناك فئات متعددة في المغرب آن الأوان لتلج عالم السياسة.

3- هل الشباب قادر على حمل المشعل والاضطلاع بأدوار قيادية، وما الذي يتعين فعله لاستقطاب الشباب والمثقفين إلى الانخراط في العمل السياسي بما يفرز في نهاية المطاف سيرورة طبيعية تفضي إلى تجديد النخب والوجوه؟

يمكن القول إن الشباب المغربي قادر على رفع كل التحديات، ليس في المغرب فحسب، بل في كل دول العالم. وبالنسبة للمثقفين، فالمسألة تختلف بعض الشيء، ويصعب التعميم فيها. فالبعض منهم عاش تجربة سياسية وانخرط في الأحزاب واضطر إلى مغادرتها في لحظة من اللحظات، يمكن أن نذكر على سبيل المثال عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري، بينما بقي مثقفون آخرون – إلى أن وافاهم الأجل المحتوم – يساهمون في تعزيز الحياة السياسية، بل كانوا يشكلون قيمة مضافة للحياة الثقافية في تقاطعاتها مع السياسي.

وأذكر في هذا الصدد ما كان يقدمه الراحل عبد الجبار اسحيمي من قيمة مضافة للحياة الثقافية والسياسية، حيث جعل من الملحق الثقافي لجريدة “العلم”، لسان حزب الاستقلال، منبرا لكل المثقفين بغض النظر عن مشاربهم الفكرية أو السياسية. إن للمثقف دورا أساسيا في الحياة السياسية والحزبية؛ فمن يرجع إلى الوثائق السياسية للأحزاب المغربية طيلة الستينيات وإلى حدود الثمانينيات، سيستشف جودة هذه الوثائق، إذ كان ظل شخصيات ومفكرين بثقافتهم الواسعة يخيم عليها، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، عبد الله إبراهيم، وعلال الفاسي، وعبد الكريم غلاب، وعزيز بلال، والجابري ومحمد الحبابي… والقائمة طويلة، وهؤلاء عندما كانوا يحضرون إلى الندوات أو اللقاءات السياسية، كثيرا ما كان الناس من كل المشارب يحجون إليها، للاستماع إليهم، حتى ولو لم يكونوا يتقاسمون معهم نفس المرجعيات.

وقد عمل المشرع جاهدا على تعزيز المشاركة السياسية للنساء والشباب عبر الأحزاب السياسية، حيث يحث القانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية، في مادته 26، الأحزاب على ضرورة “توسيع وتعميم مشاركة النساء والشباب في التنمية السياسية للبلاد”، مع ضرورة إشراك الشباب في الأجهزة التقريرية للحزب.

كما فرض على الأحزاب ضرورة إخضاع مسطرة اختيار المرشحين للديمقراطية، واشترط النزاهة والكفاءة والأمانة في المرشحين للانتخابات، غير أن الواقع له منطق آخر مختلف تماما عن هذه النظرة المثالية التي توخاها القانون. فلو قام المشرع بتخصيص دعم مالي خاص بالأحزاب السياسية التي ترشح الشباب والنساء لكان ذلك أفيد، أما في الوقت الراهن فالأحزاب السياسية تُقبل على المرشح الذي يضمن لها الحصول على أكبر عدد من الأصوات، ويملك من الإمكانيات ما يؤهله للفوز بالمقعد محليا أو جهويا أو وطنيا.

4- برأيكم، هل سيؤثر قرار إلغاء لائحة الشباب على مسعى تجديد النخب؟

يصعب الآن تقيم القيمة المضافة للائحة الشباب، ويجب انتظار الانتخابات المقبلة لمعرفة عدد الشباب الذين استفادوا منها واستطاعوا أن يقنعوا أحزابهم بمنحهم التزكيات، وبعد ذلك كم هم عدد الشباب الذين استطاعوا أن يفوزوا بالمقاعد البرلمانية، ولكن يبدو لي أن لائحة الشباب كانت أمرا غير معقول في منطق السياسة ولا أعرف تجارب من هذا النوع في الديمقراطيات العريقة.

إن سن الثامنة عشرة هي سن الأهلية القانونية، وتسمى أيضا بسن الرشد، حيث يصبح فيها الإنسان مسؤولا عن كافة أفعاله. فإذا كنا نعتبره نحن غير مؤهل لممارسة السياسة وفي حاجة إلى معاملة تمييزية، فإن ذلك سيكون بعيدا عن المنطق، ولن يخدم لا الديمقراطية ولا التنمية السياسية. وعلى الشباب أن يعي دوره التاريخي، وأن يسعى إلى تغيير ثقافة الوصاية المنتشرة في الكثير من الأحزاب، وينتزع مكانته انطلاقا من المؤهلات التي يتوفر عليها.

إن تجديد النخب ليس أمرا ميكانيكيا يمكن إطلاقه أو الحد منه بسهولة. إنها عملية اجتماعية معقدة، تندرج في إطارها كيفية تدبير المجتمع للعلاقات بين الأجيال، وتلعب فيها التنشئة الاجتماعية دورا أساسيا في جعل الأفراد يتحلون بالشجاعة في تحمل المسؤولية عند الهزيمة، ولا ينسبون ذلك إلا لأنفسهم، فكلما فشل الشخص ينسحب ليترك المجال للآخر من أجل أن يجرب بدوره.

5- في رأيكم، ما هي أهم المميزات التي تميز انتخابات هذه السنة؟

ستكون انتخابات 2021 متميزة على أكثر من مستوى. فهي ستجري في ظروف الجائحة، ولن تكون يوم جمعة بل يوم أربعاء، وستعرف لأول مرة جمع انتخاب مجالس الجماعات والمقاطعات والجهات ومجلس النواب في يوم واحد، وهذه تجربة غير مسبوقة.

ثم إن هناك تعديلات مهمة أدخلت على الترسانة القانونية المنظمة للانتخابات، ولكن تبقى مسألة حساب القاسم الانتخابي بناء على عدد المسجلين في اللوائح، وليس بناء على الأصوات المعبر عنها، من بين الأمور التي حظيت بالكثير من النقاش، ويجب انتظار يوم الانتخابات وما سيفرزه من نتائج لتقييم استحقاق هذه السنة، ومعرفة إلى أي حد كانت هذه الاختيارات سليمة، ولكن لا بد من القول إن على الأحزاب السياسية أن تقوم بقراءة نقدية لسلوكها وعلاقتها بالمجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.