شروط تعجيزية في ملفات الدعم تضرب مبدأ المشروعية وسيادة القانون

0 44

بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر.

متابعة _____خاصة.

 

تواجه المقاولات الصحفية الصغرى بالمغرب حملة تضييق غير مسبوقة تكاد تعصف بوجودها الرقمي والمهني، لا لشيء سوى لأنها اختارت الصمود في بيئة اقتصادية هشّة. ففي الوقت الذي ينتظر فيه الجسم الصحفي مواكبة حقيقية تضمن التعددية وتدعم المقاولات الناشئة، نتفاجأ بنزوع بيروقراطي يسعى جهاراً إلى إقصاء وتصفية الصحافة الرقمية الصغرى عبر فرض شروط تعجيزية وخروقات مسطرية خارجة عن نطاق القانون.

 

إن ما كشفه تفحص وثائق طلب الاستفادة من الدعم العمومي برسم سنة 2026 يثير الكثير من القلق والاستغراب؛ إذ أضحى مشهد تدبير الدعم محكوماً بالارتجالية وتجاوز النصوص التشريعية المعمول بها.

▪︎ الالتفاف على المراسيم: فرض شرط الإدلاء ببطائق الصحافة لمدير النشر وخمسة صحافيين مهنيين يعد قفزة غير قانونية فوق مقتضيات المرسوم رقم 2.23.1041 المنشور بالجريدة الرسمية.

▪︎ خرق القرار المشترك: يتناقض هذا الإجراء التعسفي جملة وتفصيلاً مع القرار المشترك رقم 2345.24 المحدد لأسقف وكيفيات توزيع الدعم المالي.

▪︎ ضرب مبدأ المشروعية: محاولة تعديل النصوص التنظيمية الصادرة عن الأجهزة الحكومية المختصة باستخدام “استمارات” أو “مذكرات تقنية” داخلية يمثل مساً خطيراً بـسيادة القانون وهيبة الإدارة.

 

إن المقتضيات القانونية الأصلية واضحة كالشمس؛ حيث اشترطت على المقاولات الإلكترونية الصغرى توفير أربعة صحافيين مهنيين بالإضافة إلى مدير النشر للاستفادة بنسبة 50% من كلفة الإنتاج والأجور. غير أن رفع العدد فجأة في الكواليس الإدارية إلى خمسة صحافيين مهنيين يطرح تساؤلات حارقة حول نية الجهات المعنية:

▪︎ تأمين الهيمنة: الإصرار على تعقيد المساطر يخدم بالدرجة الأولى المقاولات الكبرى المهيمنة، ويساهم في تركيز المال العام في يد قلة محظوظة.

▪︎ إقصاء ممنهج: تحويل الدعم العمومي من آلية لتأهيل وتحديث المشهد الإعلامي وتكريس تكافؤ الفرص، إلى “نادي مغلق” يعجّ بالقيود التعجيزية التي تهدف إلى تصفية المقاولات الصغرى.

▪︎ موت التعددية: خنق الصحافة الجهوية والمحلية المستقلة يعني مباشرة إعدام التنوع، وتوحيد الخطاب الإعلامي، وتشريد المئات من الكفاءات اللوجستية والمهنية الشابة.

 

لم تعد المساطر البيروقراطية المعقدة والشروط التعجيزية المفروضة على الدعم العمومي لقطاع الصحافة والنشر لعام 2026 مجرد “شطط إداري” أو خرق للقوانين المنظمة فحسب؛ بل تحولت رسمياً إلى مخطط إبادة اقتصادية واجتماعية حقيقية تستهدف النسيج المقاولاتي الصغير بالمغرب. إن الإصرار على فرض شرط “المدير وخمسة صحافيين” – خارج أي سند قانوني – هو حكم إعدام معجل سينعكس وبالاً على معيشة مئات الأسر ومستقبل الكفاءات الإعلامية الشابة.

 

رفع سقف الشروط الإدارية في الكواليس يمثل طعنة اقتصادية غادرة للمقاولات الناشئة والصغرى التي تكافح للبقاء في سوق إعلاني شحيح:

▪︎ تجفيف الموارد المالية: حرمان هذه المقاولات الصغرى من الدعم عبر شروط هجينة يعني دفعها مباشرة نحو الإفلاس والإغلاق القسري.

▪︎ تكريس الاحتكار: تحويل المال العام (الدعم) إلى “امتياز حصري” تستفيد منه فقط الحيتان الكبرى والشركات المهيمنة، مما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص المنافسة الشريفة.

▪︎ تدمير الاستثمار الرقمي: ضرب الثقة في قطاع الإعلام الرقمي كبيئة استثمارية قادرة على النمو وجذب الرساميل المحلية والجهوية.

 

القرارات الارتجالية التي تصاغ داخل المكاتب المكيفة لا تضع في الحسبان الكلفة الإنسانية الباهظة التي ستدفعها الشغيلة الصحفية:

_ تشريد مئات الأسر: إغلاق المقاولات الإعلامية الصغرى والجهوية يعني طرد مئات الصحافيين، التقنيين، والمستخدمين، وتحويلهم إلى طابور جديد من العاطلين عن العمل.

_ وأد الكفاءات الشابة: إغلاق الباب أمام الخريجين الجدد والشباب الطامحين لتأسيس تجارب إعلامية مستقلة ومبتكرة في مناطقهم وجهاتهم.

_ تعميق الهشاشة الاجتماعية: دفع العاملين في هذه المقاولات نحو المجهول وغياب الاستقرار المادي، مما يساهم في تأزيم السلم الاجتماعي داخل القطاع.

 

إلى جانب الطحن الاقتصادي والاجتماعي، يؤدي هذا التعقيد المسطري التعسفي إلى تصحير المشهد الإعلامي:

1_ إقبار الصحافة المحلية: المقاولات الصغرى هي صوت الهامش والجهات؛ وبإعدامها، تضمن الإدارة غياب أي رقابة إعلامية محليّة مستقلة تتابع السياسيات العمومية في الأقاليم.

2_ توحيد الخطاب: تصفية النسيج الصغير يؤدي بالضرورة إلى قتل التعددية الفكرية، وتنميط المشهد الإعلامي ليصبح صوتاً واحداً لا يخدم المصلحة العليا للبلاد.

 

إن الدعم العمومي وُجد قانوناً لتأهيل القطاع وتطويره وضمان استقراره الاجتماعي، ولم يُشرّع ليكون سوطاً تُجلد به المقاولات الصغرى. إن الاستمرار في هذا النهج البيروقراطي الإقصائي لملفات 2026 هو توقيع مباشر على “تسريح جماعي” للشغيلة الصحفية. على الجهات الحكومية والوزارة الوصية التراجع الفوري عن هذه الشروط الارتجالية، فالأمر لم يعد يحتمل الترف الإداري، بل بات يتعلق بـ قوت يوم المواطنين ومستقبل عائلاتهم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.